الذي عليه مدار حياته ، فيصح أن يعبر به عن جملة وجوده الجسدي الحيواني ، والذرية سلالة الانسان من الذكور والإناث . قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب ( ذرياتهم ) بالجمع والباقون بالافراد ومعناهما واحد فان المفرد المضاف يفيد العموم ، ورسمها في المصحف الامام واحد ، وقوله
( مِنْ ظُهُورِهِمْ )
بدل من بني آدم بمعناه والجمهور على أنه بدل البعض من الكل ، وهو الظاهر إذا لم يرد بهذا البعض ذلك الكل ، وقال أبو البقاء هو بدل اشتمال
والمعنى واذكر أيها الرسول في إثر ذكر أخذ ميثاق الوحي على بني إسرائيل خاصة ، ما أخذه اللّه من ميثاق الفطرة والعقل على البشر عامة ، إذ استخرج من بني آدم ذريتهم بطنا بعد بطن ، فخلقهم على فطرة الاسلام ، وأودع في أنفسهم غريزه الايمان ، وجعل من مدارك عقولهم الضرورية ان كل فعل لا بد له من فاعل ، وكل حادث لا بد له من محدث ، وان فوق كل العوالم الممكنة القائمة على سنة الأسباب والمسببات ، والعلل والمعلولات ، سلطانا أعلى على جميع الكائنات ، هو الأول والآخر ، هو المستحق للعبادة وحده ، - وقد بسطنا هذه المسألة - وهذا معنى قوله تعالى
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى شَهِدْنا
أي أشهد كل واحد من هذه الذرية المتسلسلة على نفسه بما أودعه في غريزته واستعداد عقله قائلا قول إرادة وتكوين ، لا قول وحي وتلقين ، ألست بربكم ؟ فقالوا كذلك بلغة الاستعداد ولسان الحال ، لا بلسان المقال :
بلى أنت ربنا والمستحق وحده لعبادتنا . فهو من قبيل قوله تعالى بعد ذكر خلق السماء
( فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ )
وهذا النوع من التعبير والبيان يسمى في عرف علماء البلاغة بالتمثيل ، وهو أعلى أساليب البلاغة وشواهده في القرآن وكلام البلغاء كثيرة .
بيّن سبحانه سبب هذا الاشهاد وعلته فقال :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
أي فعلنا هذا منعا لاعتذاركم أو احتجاجكم يوم القيامة بأن تقولوا إذا أنتم أشركتم به : انا كنا