الأرض ، قبل أن يحق عليه القول
( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى )
وهذا كما قال في اليهود بعد ذكر إفسادهم مرتين
( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا )
وقلما ذكر اللّه عذاب الفاسقين المفسدين ، الا وقرنه بذكر المغفرة والرحمة للتائبين المحسنين ، حتى لا ييأس صالح مصلح من رحمته بذنب عمله بجهالة ، ولا يأمن مفسد من عقابه اغترارا بكرمه وعفوه وهو مصر على ذنبه ،
* * *
ثم بين تعالى كيف كان بدء إذلال اليهود بإزالة وحدتهم ، وتمزيق جامعتهم فقال
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
أي وفرقناهم في الأرض حال كونهم أمما بالتقدير ، أو صيرناهم أمما متقطعة ، بعد أن كانوا أمة متحدة
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ
كالذين نهوا الذين اعتدوا في السبت عن ظلمهم ، والذين كانوا يؤمنون بأنبياء اللّه تعالى فيهم من بعد موسى إلى عهد عيسى عليهم السّلام ، والذين آمنوا بمحمد خاتم النبيين ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
ومنهم ناس دون وصف الصلاح لم يبلغوه ، وهم درجات أو دركات ، منهم الغلاة في الكفر والفسق ، كالذين كانوا يقتلون النبيين بغير حق ، ومنهم السماعون للكذب الأكالون للسحت ، إلى غير ذلك مما هو شأن الأمم الفاسدة في كل عصر ، تفسد بالتدريج لا دفعة واحدة كما نراه في أمتنا الاسلامية
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
أي امتحناهم ، وبلونا سرائرهم واستعدادهم ، بالنعم التي تحسن ، وتقر بها الأعين ، وبالنقم التي تسوء صاحبها ، وربما حسنت بالصبر والإنابة عواقبها ، رجاء أن يرجعوا عن ذنبهم ، وينيبوا إلى ربهم ، فيعود برحمته وفضله عليهم
* * *
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ
أي فخلف من بعد أولئك الذين كان فيهم الصالح والطالح ، والبر والفاجر ، خلف سوء وبدل شر ، قيل : إن الخلف بسكون اللام يغلب في الأشرار ، وإنما يقال في الأخيار خلف بالتحريك كسلف
وَرِثُوا الْكِتابَ
الذي هو التوراة عنهم ، وقامت الحجة به عليهم ،