تفيد سبق مضمونها وفرق بعض الفقهاء بين قولك عليّ ان اعتكف صائما وقولك علي ان اعتكف وانا صائم وقد بينا هذا في تفسير
( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً )
الآية ( فراجعه في ص 115 ج 5 تفسير )
* * *
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
أي ثم بلوناهم بضد ذلك فجعلنا الحالة الحسنة في مكان الحالة السيئة كاليسر بعد العسر ، والغنى في مكان عن الفقر ، والنصر عقب الكسر ،
حَتَّى عَفَوْا
أي كثروا ونموا كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وهو من عفا النبات والشحم والشعر ونحوه إذا كثر ، وله شواهد عن العرب ، وذلك ان اليسر والرخاء سبب لكثرة النسل وبه تتم نعم الدنيا على الموسرين .
ومن الشواهد على هذا الابتلاء في القصص التي قفي عليها بهذه العبر قول هود عليه السّلام لقومه
( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
وقول صالح « ع م » لقومه
( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ )
وقول شعيب « ع م » لقومه
( وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ )
ولكن لم تزد الآلاء هؤلاء الكافرين الا بغيا وبطرا وفسادا في الأرض
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ
أي وقالوا مع ذلك قولا يدل على فساد فطرتهم ، وانطماس بصيرتهم ، وفقدهم الاستعداد للاتعاظ والاعتبار بأحداث الزمان ، وتغير أحوال الانسان ، وتقلب شؤون العمران ، قالوا قد مس آباءنا من قبلنا ما يسوء وما يسر ، وتناوبهم ما ينفع وما يضر ، ونحن مثلهم يصيبنا ما أصابهم ، فتلك عادة الزمان في أبنائه ، فلا الضراء عقاب من الخالق الحكيم على معاصي تقترف ورذائل ترتكب ، ولا السراء جزاء منه على صالحات تعمل ، وفضائل تلتزم . والمراد انهم جهلوا سنته تعالى في أسباب الصلاح والفساد في البشر وهما يترتب عليهما من السعادة والشقاء ، المعبر عنها بقوله تعالى
( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )
فلما ذكرهم رسلهم بها لم يتذكروا ولم يعتبروا ، بل نسوا واعرضوا وأنكروا
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
أي فكان عاقبة ذلك ان اخذناهم