أو هذه السورة أصوله وعقائده بالحجج النيرات ، والآيات البينات ، حال كونه مستقيما في نظر العقل الصحيح ومقتضى الفطرة السليمة من فساد الافراط والتفريط ، فلا اعوجاج فيه ولا التواء ، وانما هو السبيل السواء ، ومن عرفه تبين له اعوجاج ما عداه من السبل ، التي عليها سائر أهل الملل والنحل ،
( قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ )
أي قد بينا الآيات والحجج المثبتة لحقيته وأصوله الراسخة ، ومحاسن فروعه المثمرة النافعة ، لقوم يتذكرون ما بلغوه منها ، كلما عرضت الحاجة اليه ، فيزدادون بها يقينا ورسوخا في الايمان ، ويدرءون ما يورد عليهم من الشبهات والأوهام ، كما يزدادون اذعانا وموعظة ، تبعثهم على الأعمال الصالحة ، ولذلك خصوا بالذكر دون غيرهم . وتفسيرنا للمشار اليه بقوله
« وَهذا صِراطُ رَبِّكَ »
بالاسلام هو الموافق لقواعد العربية لأنه أب مذكور يصح أن يكون هو المراد ، وهو المروي عن ابن عباس ، ومن خالفه فقد تكلف وتعسف . وقوله
« مُسْتَقِيماً »
منصوب على الحال والعامل فيها ما في اسم الإشارة أو التنبيه من معنى الفعل
* * *
( لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ )
أي لهؤلاء القوم المتذكرين السالكين صراط ربهم المستقيم ، دون غيرهم من متبعي سبل الشياطين ، - دار السّلام عند ربهم بسلوكهم صراطه الموصل إليها ، وهو ما كانوا يعملونه كما صرح به في آخر الآية . فهذا بيان جزاء المؤمنين الصالحين ، في مقابل ما بين قبله من جزاء المجرمين ، بقوله
( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ )
ودار السّلام هي الجنة دار الجزاء للمؤمنين المتقين أضيفت إلى اسم اللّه « السّلام » كما رواه ابن جرير عن السدي وعزاه بعض المفسرين إلى الحسن وابن زيد أيضا ، وقيل إن السّلام مصدر سلم كالسلامة . والإضافة على التفسير الأول للتشريف وكذا للايذان بسلامة تلك الدار من العيوب ، وسلامة أهلها من جميع المنغصات والكروب ، خلافا لمن زعم أن إفادة هذا المعنى خاصة بجعل السّلام مصدرا كالسلامة وقوله
« عِنْدَ رَبِّهِمْ »
تقدم معناه في تفسير مقابله الذي ذكر آنفا
( وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ )
الضمير راجع إلى ربهم أو السّلام على القول بأنه هو اللّه تعالى . ووليهم متولي أمورهم وكافيهم كل أمر يعنيهم ، بسبب ما كانوا يعملونه بباعث الايمان به والاذعان لما جاء به رسوله من أعمال