روي عن ابن عباس في قوله تعالى
( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
قال : في الدعاء ولا في غيره . وقال أبو مجلز : لا يسأل منازل الأنبياء . وروى أحمد وأبو داود عن سعد ابن أبي وقاص أنه سمع ابنا له وهو يقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها واستبرقها - ونحوا من هذا - وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال لقد سألت اللّه خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير ، وإني سمعت رسول اللّه ( ص ) يقول « سيكون قوم يعتدون في الدعاء - وفي لفظ - يعتدون في الطهور والدعاء » وأهذه الآية
* * *
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
أي ولا تفسدوا في الأرض بعمل ضائر ، ولا بحكم جائر ، مما ينافي صلاح الناس في أنفسهم كعقولهم وعقائدهم وآدابهم الشخصية والاجتماعية ، أو في معايشهم ومرافقهم من زراعة وصناعة وتجارة وطرق مواصلة ووسائل تعاون - لا تفسدوا فيها بعد اصلاح اللّه تعالى لها بما خلق فيها من المنافع ، وما هدى الناس اليه من استغلالها والانتفاع بتسخيرها لهم ، وامتنانه بها عليهم ، بمثل قوله
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً )
وقوله
( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
ومن إقامة الحق والعدل والفضيلة فيها ، فالاصلاح الأعظم انما هو اصلاحه تعالى لحال البشر ، بهداية الدين وارسال الرسل ، واكمال ذلك ببعثة خاتم النبيين والمرسلين ، الرحمة العامة للعالمين ، فاصلح به عقائد البشر ببنائها على البرهان ، وأصلح به أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها بين مصالح الروح والجسد وما شرع لهم من التعاون والتراحم ، وأصلح سياستهم ونوع الحكم بينهم بشرع حكومة الشورى المقيدة بأصول درء المفاسد وحفظ المصالح والعدل والمساواة .
والبشر سادة هذه الأرض ، وهم منها كالقلب من الجسد والعقل من النفس ، فإذا صلحوا صلح كل شيء ، وإذا فسدوا فسد كل شيء . وأشد الفساد الكبر والعتو ، الداعيان إلى الظلم والعلوّ ، ألم تر إلى هؤلاء الإفرنج كيف أصلحوا كل ما في الأرض من معدن ونبات وحيوان ، وعجزوا عن اصلاح نفس الانسان ، بمعاداتهم أكمل الأديان ، فحولت دولهم كل ما اهتدى اليه علماؤهم من وسائل العمران ، إلى افساد نوع الانسان ، وتعادي شعوبه بالتنازع على الملك والسلطان ، وإباحة الكفر والفسوق