هذا الملك على عرشه كما يليق به يدبر امره ويصرف نظامه حسب تقديره الذي اقتضته حكمته فيه كما قال في سورة يونس ( 10 : 3
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ )
وفي سورة الرعد ( 13 : 2
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ( 3 ) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
وهو بمعنى ما هنا .
العرش في الأصل الشيء المسقف كما قال الراغب ، وبينا اشتقاقه في تفسير الجنات المعروشات من سورة الأنعام ( ص 132 ) ويطلق على هودج للمرأة يشبه عريش الكرم وعلى سرير الملك وكرسيه الرسمي في مجلس الحكم والتدبير
وحقيقة الاستواء في اللغة التساوي واستقامة الشيء واعتداله ، ومن المجاز كما في الأساس : استوى على الدابة وعلى السرير والفراش ، وانتهى شبابه ، واستوى على البلد اه وقال في مادة ع ر ش . واستوى على عرشه إذا ملك ، وثل عرشه - إذا هلك اه وفي المصباح : واستوى على سرير الملك - كناية عن التملك وان لم يجلس عليه ، كما قيل مبسوط اليد ومقبوض اليد ، كناية عن الجود والبخل اه
لم يشتبه أحد من الصحابة في معنى استواء الرب تعالى على العرش ، على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق ، إذ كانوا يفهمون ان استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة امر ملك السماوات والأرض له وانفرداه هو بتدبيره . وأن الايمان بذلك لا يتوقف على معرفة كنه ذلك التدبير وصفته وكيف يكون ، بل لا يتوقف على وجود عرش ، ولكن ورد في الكتاب والسنة أن للّه عرشا خلقه قبل خلق السماوات والأرض . وان له جملة من الملائكة ، فهو كما تدل اللغة مركز تدبير العالم كله قال تعالى في سورة هود ( 11 : 7
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ )
ولكن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالنقل والعقل كانت مانعة لكل منهم أن يتوهم ان في التعبير بالاستواء على العرش شبهة تشبيه للخالق بالمخلوق . كيف وأن بعض الائن الضعيفة لفظية أو معنوية تمنع في لغتهم حمل اللفظ على معناه البشري فكيف إذا كان لا يعقل ؟ فكيف والاستواء على الشيء مستعمل في البشر استعمالا مجازيا