أو إيجابها بشرط عدم الاسراف فيها - وسبق هذه وتلك ما قفى به على النداء الثاني من بيان أصل الأصول لما أمر اللّه تعالى به عباده على ألسنة رسله وهو القسط والعدل في الآداب والاعمال ، وعبادة اللّه وحده بالاخلاص له في الدين ، وعقيدة البعث - ولما وصل ما هنالك بقسم الناس إلى فريقين مهتدين وضالين - وصل ما هنا ببيان عاقبة الأمم في قبول هذه الأصول أوردها ، والاستقامة على طريقتها بعد القبول أو الزيغ عنها ، فقال عز وجل :
( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ )
هذا معطوف على مقول القول في الآية السابقة أي قل أيها الرسول
( إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ )
الخ دون ما حرمتم من النعم والمنافع بأهوائكم وجهالاتكم - وقل
« لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ »
أي أمد مضروب لحياتها ، مقدر فيما وضع الخالق سبحانه من السنن لوجودها ، وهو على نوعين أحدهما أجل من يبعث اللّه فيهم رسلا لهدايتهم فيردون دعوتهم كبرا وعنادا في الجحود ، ويقترحون عليهم الآيات فيعطونها مع إنذارهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا بها فيكذبون فيهلكون ، وبهذا هلك أقوام نوح وعاد وثمود وفرعون واخوان لوط وغيرهم .
وهذا النوع من الهلاك كان خاصا بأقوام الرسل أولي الدعوة الخاصة لأقوامهم .
وقد انتهى ببعثة صاحب الدعوة العامة خاتم النبيين المخاطب بقوله تعالى
( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ )
لكن انتهاءه عند اللّه لا يمنع جعله إنذارا لقومه خاصة بهلاكهم ، ان أعطوا ما اقترحوه من الآيات ارضاء لعنادهم ، ليعلم أهل البصيرة بعد ذلك ان منعهم إياه إنما كان رحمة بهم وبغيرهم
وقد مضت سنة اللّه في الأمم أن الجاحدين الذين يقترحون الآيات لا يؤمنون بها ، ولأجل هذا لم يعط اللّه تعالى رسوله شيئا مما كانوا يقترحونه عليه منها ، كما تقدم بيانه في سورة الأنعام وتفسيرها وهذا الاجل لم يكن يعلمه أحد إلا بعد أن يبينه تعالى على ألسنة الرسل
والنوع الثاني الاجل المقدر لحياة الأمم سعيدة عزيزة بالاستقلال ، التي تنتهي بالشقاء والمهانة أو الاستعباد والاستذلال ، ان لم تنته بالفناء والزوال ، وهذا النوع منوط بسنن اللّه تعالى في الاجتماع البشري والعمران ، وأسبابه محصورة في مخالفة هدي الآيات التي قبل هذه الآية ، بالاسراف في الزينة والتمتع بالطيبات ، وباقتراف الفواحش والآثام والبغي على الناس ، وبخرافات