وذلك قوله تعالى في المشركين
( وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ )
ثم لا يخفى أن الامن في الآية مقصور على الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم فإذا حمل العموم فيها على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع الايمان يكون المعني : الذين آمنوا ولم يخلطوا ايمانهم بظلم ما لأنفسهم - لا في ايمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية ، من دينية ودنيوية ، ولا لغيرهم من المخلوقات ، من العقلاء والعجماوات ، أولئك لهم الا من من عقاب اللّه تعالى الديني على ارتكاب المعاصي والمنكرات ، وعقابه الدنيوي على عدم مراعاة سننه في ربط الأسباب بالمسببات ، كالفقر والأسقام والأمراض ، دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم ، فان الظالمين لا أمان لهم ، بل كل ظالم عرضة للعقاب وان كان اللّه تعالى لسعة رحمته لا يعاقب كل ظالم على كل ظلم ، بل يعفو عن كثير من ذنوب الدنيا ، ويعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء في الآخرة ما دون الشرك به .
وهذا المعنى في تفسير الآية صحيح في نفسه ، ويترتب عليه أن الامن المطلق من الخوف من عقاب اللّه الديني والدنيوي أو الشرعي والقدري جميعا لا يصح لاحد من المكلفين ، دع خوف الهيبة والاجلال ، الذي يمتاز به أهل الكمال ، وقد صح اسناد الخوف إلى الملائكة والأنبياء ( 16 : 50
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
- 17 : 57
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ
- 21 : 28
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )
وهذا التفسير يؤيد قول إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ،
( إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً )
على ما تقدم . وأما الامن من عقاب الآخرة بالفعل وهو النجاة منه فهو ثابت للملائكة والأنبياء عليهم السّلام ، ولكثير ممن دونهم من الصالحين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، وان لم يعلم ذلك في الدنيا كل منهم ليبقى جامعا بين الخوف والرجاء . ومن الناس من يؤمن فيموت قبل أن يظلم أحدا . وقد ورد حديث في ادخال مثل هذا في مفهوم الآية
وأما معني الآية على الوجه الأول فهو : الذين آمنوا باللّه تعالى ولم يخلطوا إيمانهم بظلم عظيم وهو الشرك به سبحانه أولئك لهم الامن دون غيرهم من العقاب الديني المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب ، وهم فيما دون ذلك بين الخوف والرجاء
وروي عن علي كرم اللّه وجهه أنه قال : نزلت هذه الآية في إبراهيم وقومه خاصة