والحقيقة ، وحماية الدعوة والبيضة ، لم يخرج الرسول عن كونه رسولا ، أي عبدا للّه مبلغا عنه لا شريكا له ولا وكيلا ، وما أرى الرواية تصح عن ابن عباس ، ولو صحت لكان الوجه في مراده منها ان آية القتال أزالت ما كان من لوازم هذه الآية وأمثالها من ارشاد الرسول ( ص ) إلى السكوت للمشركين على ما كان من تكذيبهم لما جاء به ، ذلك التكذيب القولي العملي الذي أبرزوه بالصد عنه ، ومنعه من تبلغ دعوة ربه ، وإيذائه وايذاء من آمن به ، فان الصحابة كانوا يريدون من النسخ معنى أعم من المعنى الذي قرره علماء الأصول وهو الذي يجري عليه المفسرون . ومن هنا قال الزجاج في تفسير العبارة : أي إني لم أومر بحر بكم ومنعكم عن التكذيب اه وبناء على هذا قال كثيرون بنسخ الآيات الكثيرة التي أمر بها النبي ( ص ) بالصبر والعفو وحسن المعاملة وهي هي الفضائل التي كان ( ص ) متحليا بها طول عمره ، مع وضعه كل شيء في موضعه ،
ووضع الندى في موضع السيف في العلى * مضر كوضع السيف في موضع الندى
* * *
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
هذا تمام ما أمر اللّه تعالى رسوله أن يقوله لقومه المكذبين ، والنبأ الخبر كما قيل أو الخبر الذي له شأن يهتم به ، وقال الراغب خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن ولا يقال للخبر نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة اه . ويراد به المعنى المصدري أو مدلوله الذي يقع مصدقا له . والمستقر مصدر ميمي بمعنى الاستقرار وهو الثبات الذي لا تحوّل فيه واسم زمان ومكان له ، وإرادة الزمان هنا أظهر ويستلزم غيره معه . والمعنى لكل شيء ينبأ عنه مستقر تظهر فيه حقيقته ويتميز حقه من باطله ، فلا يبقى مجال للاختلاف فيه ، وسوف تعلمون مستقر ما أنبأ به القرآن الذي كذبتم به من وعد ووعيد - أو لكل نبأ من أنباء القرآن الحق الذي كذبوا به زمان يحصل فيه مضمونه فيكون قارّا ثابتا فيه . ومن هذه الانباء ما وعد اللّه الرسول من نصره عليهم وما أوعدهم من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة ( 39 :
24
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
25
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
- 37
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ