الدم في الجسد ، وعمل المعدة في الهضم ،
وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي ومن يشأ هدايته واستقامته يجعله على طريق مستقيم ، وهو طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، ولا ينجو تاركه ، بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله في آيات اللّه المنزلة وآياته المكونة ، استعمالا يعرف به الحق ويعترف به ، ويعرف به الخير ويعمل به ، بحسب سننه سبحانه وتعالى في الارتباط بين الاعمال البدنية ، والعقائد والوجدانات النفسية ، وليس معناه ان يخلق له الهداية خلقا كما خلق روحه وبدنه ، ولا انه يجبره عليها فيلصق به كارها غير مختار ، وفي القرآن آيات كثيرة تدل على أن مشيئة الاضلال انما تتعلق بأصحاب الاعمال الكسبية التي هي الضلال أو سبب الضلال ومشيئة الهداية تتعلق بما يقابل ذلك
قال تعالى
( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ )
وقال تعالى
( وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ )
وقال
( وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ )
كما قال
( يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )
فالجمع بين الآيات هو الموافق لفطر البشر وعقولهم وان خالف بعض نظريات المعتزلة والجبرية والأشعرية ، فليس الانسان خالقا لافعال نفسه ، مستقلا بها دون مشيئة خالقه وسننه في خلقه ، ولم يجعل الرب ما يصدر عن الناس من الايمان والكفر والخير والشر من قبيل ما خلقه لهم من حركات دمائهم في أبدانهم ، وأعمال معدهم وأمعائهم ، ولا من قبيل حركات المرتعش منهم ، فلا نغلو في التنزيه والحكمة الإلهية غلوا نجعل به ضلال من ضل واقعا بغير مشيئة اللّه تعالى مقدّر المقادير وواضع السنن الحكيمة في الخلق كله ، ولا نغلو في المشيئة فنجعلها منافية للحكمة والرحمة ، سالبة لما علم من فطرة اللّه بالضرورة
وقد زعم بعض المعتزلة ان الآية في بيان ما يكون عليه الكافرون والمؤمنون في الآخرة كما قال في آية أخرى ( 17 : 97
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا )
قال وان المراد بالاضلال إضلالهم عن طريق الجنة جزاء لهم ، ويقابله جعل المتقين على صراط موصل إلى الجنة . ويردّ هذا التأويل ورود الآية في وصف