من قول أو عمل ، وأجاب الداعي إذا لباه وقام بما دعاه اليه ؛ ويقال : استجاب له وهو في القرآن كثير ، واستجاب دعاءه ، وكذا استجابه ، نعرف منه قول كعب ابن مرثد الغنوي في رثاء أخيه :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا * فلم يستجبه عند ذاك مجيب
قالوا إن الاستجابة بمعنى الإجابة ولذلك قال فلم يستجبه مجيب . وقال الراغب والاستجابة قيل هي الإجابة ، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها . اه وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه اللّه تعالى ولكنه لم يحط به ، وحقيقة الجواب والإجابة كما يؤخذ من قوله - قطع الصوت أو الشخص الجوب أو الجوبة وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة ووصوله إلى الداعي ، أي وصول ما سأله اليه بالفعل ، وأما الاستجابة فهي : التهيؤ للجواب أو للإجابة ، أي المستلزم للشروع والمضي فيها عند الامكان وغايته الإجابة التامة عند عدم المانع . فالسين والتاء على معناهما .
ومن دقق النظر في استعمال الصيغتين في القرآن الحكيم يظهر له ان أفعال الإجابة كلها قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤل كله بالفعل حقيقة أو ادعاء دفعة واحدة . ومنه الإجابة بالقول مثل نعم ولبيك ولك ذلك . وان الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤل بالقوة أو التهيؤ والاستعداد له - ومنه قوله تعالى
( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ )
فهو قد نزل في تهيؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد - أو بالفعل التدريجي ، كاستجابة دعوة لدين التي تبدأ بالقبول والشهادتين ثم تكون سائر الأعمال بالتدريج ، وشواهده كثيرة .
والاستجابة من اللّه القادر على كل شيء انما يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل ويكون الشأن فيها ان تقع بالتدريج كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار ، وبالمغفرة وتكفير السيئات ، وإيتاء ما وعد به المؤمنين في الآخرة ، قال تعالى بعد حكاية هذا الدعاء بذلك عن أولي الألباب
( 3 : 194 فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ )
الخ وكاستجابته للمؤمنين في بدر بامدادهم بالملائكة تثبتهم كما في سورة الأنفال ( 8 : 9 - 12 ) ومن ذلك استجابته لأيوب وذي النون وزكريا عليهم السّلام كما في سورة الأنبياء ( 21 : 82 - 89 ) كل ذلك مما يقع بالتدريج في الاستقبال .