* * *
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا
أكد اللّه تعالى لرسوله ( ص ) بصيغة القسم ان الرسل الذين أرسلوا قبله قد كذبتهم أقوامهم فصبروا على تكذيبهم وايذائهم لهم إلى أن نصرهم اللّه تعالى عليهم ، أي فان كذبت فلك أسوة بمن قبلك فلست بدعا من الرسل ، وقد صرح بالشرطية في آيات أخرى كقوله تعالى في سورة الحج
( 22 : 40 وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ )
الخ وقوله في سورة فاطر ( 35 : 4
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
- الخ - 25
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )
الخ والآية تسلية للرسول ( ص ) بعد تسلية ، وإرشاد له إلى سنته تعالى في الرسل والأمم أوهي تذكير بهذه السنة ، وما تتضمنه من حسن الأسوة ، إذ لم تكن هذه الآية أول ما نزل في هذا المعنى ، وقد صرح بوجوب هذا الصبر عليه تأسيا في قوله
( 46 : 35 فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ )
واستقلالا في آيات كثيرة منها ما نزل قبل هذه السورة كقوله تعالى في سورة المزمل
( 73 : 10 وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا )
وقد ثبت بالتجارب ان التأسي يهون المصاب ويفيد شيئا من السلوة . قالت الخنساء :
ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزي النفس عنه بالتأسي
ولولا ان مقتضى الطبع البشري التأثر بالتأسي لما ظهرت حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية ، فان النبي ( ص ) كان يتلو القرآن في الصلاة ولا سيما صلاة الليل فربما يقرأ السورة ولا يعود إليها إلا بعد أيام يفرغ فيها من قراءة ما نزل من سائر السور ، فاحتج إلى تكرار تسليته وأمره بالصبر المرة بعد المرة لان الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له ( ص ) من شأنهما ان يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره حتى عند تلاوة الآيات الواردة في بيان حال الكفار ومحاجتهم وإنذارهم
و
« ما »
في قوله تعالى
( عَلى ما كُذِّبُوا )
مصدرية
( وَأُوذُوا )
عطف على
( كُذِّبُوا )
أي فصبروا على تكذيب أقوامهم لهم وإيذائهم إياهم . والايذاء فعل الأذى وهو « تفسير القرآن الحكيم « 48 » « الجزء السابع »