الأولين به ، ولا تزال هذه الشهادات والبشائر ظاهرة فيما بقي عند اليهود والنصارى من تلك الكتب وتواريخ أولئك الرسل عليهم السّلام على ما طرأ عليها من التحريف ، وقد تقدم بيان ذلك في تفسير السور السابقة ولا سيما المائدة . ولا تنس هنا أخذه تعالى العهد على الرسل وقوله لهم
( أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ؟ قالُوا أَقْرَرْنا ، قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ )
[ راجع ص 349 ج 3 ]
وأما شهادته تعالى لما جاء به رسوله من التوحيد والبعث - وهو ما كانوا ينكرونه دون الآداب والفضائل والاحكام العلمية فهو ثلاثة أنواع ( أحدها ) شهادة كتابه معجز الخلق بذلك كقوله
( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ )
وقوله
( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
( ثانيها ) ما أقامه من الآيات البينات في الأنفس والآفاق على توحيده واتصافه بصفات الكمال . وفي بيان ذلك في هذه السورة ما ليس في غيرها
( ثالثها ) ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الايمان الفطري وبالألوهية وبقاء النفس وما هدى اليه العقول السليمة من تأييد هذا الشعور الفطري بالدلائل والبراهين . ولعلنا نشرح معنى الايمان الفطري الذي بيناه من قبل بيانا موجزا في تفسير آية العهد الإلهي الذي أخذه على بني آدم ، وهي قوله تعالى في سورة الأعراف
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى شَهِدْنا )
علم مما بيناه أن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن ، وآياته في الأكوان وآياته في العقل والوجدان ، اللذين أودعهما في نفس الانسان ، وهذه الآيات قد بينها القرآن وأرشد إليها ، فهو الدعوى والبينة ، والشاهد والمشهود له ، وكفى به ظهورا بالحق واظهارا له ، أنه لا يحتاج إلى شهادة غيره له ، على أن الشهود والأدلة على حقيته كثيرة . وقد جاءت جملة
« وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ »
معطوفة على جملة
« اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ »
مصدرة بالفعل المبني للمفعول لان المراد بنصها بيان أن