بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح
( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ
- إلى قوله -
الْحَكِيمُ )
قال فيقال : انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم » وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره بهذا المعنى زيادة « فأقول بعدا لهم وسحقا » وقد ورد هذا المعنى في عدة أحاديث في الصحاح والسنن في ألفاظها بعض اختلاف لا يغير المعنى . منها ان هؤلاء الذين أحدثوا بعده ( ص ) يذادون أي يطردون عن الحوض .
واختلف العلماء فيهم فقيل هم الذين ارتدوا بعده عن الاسلام وقاتلهم أبو بكر وقيل هم المنافقون وقيل هم المبتدعة . ( ومنها ) حديث أبي ذر عند أحمد والنسائي وابن مردويه انه ( ص ) قام بهذه الآية
( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ )
الخ حتى أصبح يركع بها ويسجد فسأله أبو ذر عن ذلك فقال « اني سألت ربي سبحانه الشفاعة فأعطانيها وهي نائلة ان شاء اللّه تعالى من لا يشرك باللّه شيئا »
فهذه الأحاديث تدل على أن مقام التفويض غير مقام الشفاعة وان الشفاعة لا تنال أحدا يشرك باللّه تعالى شيئا ، وفاقا لما جاء به الوحي على لسان عيسى ( ص ) كما تقدم في هذه السورة ولسان محمد ( ص ) كما تقدم في آيتين من سورة النساء ؛ ووفاقا للآيات التي تنفي الشفاعة في الآخرة باطلاق أو تنفي قبولها ، أو تقيدها على تقدير حصولها بمثل قوله تعالى
( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ )
بعد ما تقدم من تفويض عيسى أمر قومه إلى ربه عز وجل بتلك العبارة البليغة ، في إثر تلك الأجوبة السديدة ، تتوجه النفس إلى معرفة ما يقوله الرب في ذلك اليوم العظيم وتسأل عنه بلسان الحال أو المقال ان لم تسمعه وذلك قوله عز وجل
* * *
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
قرأ الجمهور
« يَوْمُ »
بالرفع وهو خبر هذا ، أي قال اللّه تعالى : ان هذا اليوم هو اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم في إيمانهم وشهاداتهم ، وفي سائر أقوالهم وأحوالهم . وقرأه نافع بالنصب - وقيل بالبناء على الفتح - أي قال اللّه : هذا أي الذي قاله عيسى واقع أو كائن يوم ينفع الصادقين صدقهم . ثم بين هذا النفع بيانا مستأنفا فقال
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
الجملة الأولى تقدم تفسيرها مرارا . وأما الجملة الثانية فهي « تفسير القرآن الحكيم » « 35 » « الجزء السابع »