أرحم منك بعبادك فيرحمهم أو يسألك ان ترحمهم ، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحوله وقوته ، لأنك أنت العزيز الذي يغلب ولا يغلب ، ويمنع من شاء ما شاء ولا يمنع ، ولا بتحويلك عن ارادتك فإنك أنت الحكيم الذي تضع كل شيء موضعه ، فلا يمكن لاحد غيرك ان يرجعك عنه ، بناء على أن غيره أولى منه . فمن ذا الذي يستطيع الاستدراك أو الافتيات عليك ؟
فهذا بيان ما يقتضيه التفويض المطلق إلى اللّه تعالى وحده ، بل أقول إن في جزاء الشرط الأول إشارة إلى أن تعذيب من يظن المخلوقون انهم يستحقون المغفرة ان وقع من اللّه فلا يكون الا عدلا ، لأنهم عباد اللّه المضافون اليه ، ومن شأن هذه الإضافة ان تفيدهم مغفرة منه ورحمة ، يدل على ذلك قوله تعالى
( يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
*
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
وأمثالهما من الآيات التي أضيف فيها لفظ عباد إلى اللّه ، فإذا وقع عليهم العذاب فلا بد ان يكون سببه الذي خفي عن المخلوقين عظيما ، فالأدب التفويض - وفي جزاء الشرط الثاني إشارة إلى أن المغفرة ان أصابت من يظن المخلوقون انه يستحق العذاب فلا تكون من اللّه تعالى الا لغاية اقتضتها عزة الألوهية ، وحكمة الربوبية ، فلا عبرة بالظواهر التي تبدو للمخلوقين بالنسبة إلى علم علام الغيوب وحكمته ولا سيما في ذلك اليوم ، فالواجب أن يفوض اليه الامر كله ،
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
. وبهذا تنجلي نكتة اختيار
« الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
هنا على
« الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » *
على خلاف المعروف من أسلوب القرآن في مراعاة مناسبة المقام في قرن الأسماء الإلهية بالافعال والاحكام ، كما تقدم بيانه في تفسير
( 5 : 41 وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 42 فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
فذكر عيسى عليه السّلام لا سمي اللّه
« الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
في جزاء شرطية المغفرة كذكره لكلمة
« عِبادُكَ »
في جزاء شرطية التعذيب ، كل منهما وقع في محله الذي تقتضيه البلاغة في مقام التفويض فكان حجة له ، ولو أراد بكلامه الشفاعة والاسترحام لعكس ولكل مقام مقال ، ولولا هذا لكان كل منهما اعتراضا على الرب ،