وأما سيرة البشر المعلومة بنقل المؤرخين وبسنن اللّه في أخلاق البشر وطباعهم التي هي القانون العقلي لمن يريد الحكم الصحيح عليهم - فهي مؤيدة لحكم القرآن العادل على المشركين والكفار من العرب والجم بمثل قوله
( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ )
وقوله في عدة آيات
( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ *
-
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ *
-
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
-
وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
-
وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ
-
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ )
ومثل هذا كثير . وهو خاص بأحوال الأمم في طور الفساد وضعف الدين والاخلاق ، الذي كان عليه جميع أهل الملل عند ظهور الاسلام ، فننتقل إذا إلى بيان المسألة الثانية التي نراها هي السبب الاجتماعي الحقيقي لعدم قبول شهادة غير المسلم فنقول :
حال المسلمين مع غيرهم في العصر الأول
ان حالة الأمم الاجتماعية والسياسية والأدبية لها شأن كبير في تطبيق الاحكام على الوقائع وهو ما يسميه علماء الأصول « تحقيق المناط » ومن عرف التاريخ وفقه قواعد علم الاجتماع منه فإنه هو الذي يفقه سبب إعراض الفقهاء والحكام عن قبول شهادة غير المسلمين عليهم . وأحق ما يجب فقهه من تلك القواعد أربع ينبغي التأمل فيها بعين العقل والانصاف
( أحدها ) ما كان عليه المسلمون في القرون الأولى للاسلام من الاستمساك بعروة الحق ، وإقامة ميزان العدل ، وعدم المحاباة والتفرقة في ذلك بين مؤمن وكافر ، وقريب وبعيد ، وصديق وعدو
( ثانيها ) ما كانت عليه جميع الأمم التي فتحوا بلادها ، وأقاموا شريعتهم فيها ، من ضعف وازع الدين ، وفساد الاخلاق والآداب ، وقد قرر ذلك مؤرخو الإفرنج وغيرهم وجعلوه أول الأسباب الاجتماعية لسرعة الفتح الاسلامي في الخافقين
( ثالثها ) ما جرى عليه الفاتحون من المسلمين من المبالغة في التوسعة على أهل ذمتهم في الاستقلال الديني والمدني ، إذ كانوا يسمحون لهم بأن يتحاكموا إلى رؤسائهم في الأمور الشخصية وغيرها - فكان من المعقول مع هذا أن لا يشهدوهم على قضايا