تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
* * *
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
أي وإذا سمع أولئك الذين قالوا إنا نصارى ما انزل إلى الرسول الكامل - محمد ( ص ) - الذي أكمل به الدين ، وبعث رحمة للعالمين ، ترى أيها الناظر إليهم أعينهم تفيض من الدمع ، اي تمتلئ دمعا حتى يتدفق الدمع من جوانبها لكثرته ، أو حتى كأن الأعين ذابت وصارت دمعا جاريا ، ذلك من اجل ما عرفوه من الحق الذي بينه لهم القرآن ؛ ولم يمنعهم من الإذعان والخشوع له ما منع غيرهم من العتوّ والاستكبار . فقوله
« مِنَ الْحَقِّ »
بيان لقوله
« مِمَّا عَرَفُوا »
وقيل إن من فيه للتبعيض ، أي ان أعينهم فاضت عبرة ودموعا ، عبرة منهم وخشوعا ، لمعرفتهم بعض الحق ، إذ سمعوا بعض الآيات دون بعض . فكيف لو عرفوا الحق كله بسماع جميع القرآن ، ومعرفة ما جاءت به السنة من الأسوة الحسنة والبيان . وهذا القول إنما يصح بتطبيقه على واقعة معينة كالذي تسمع في النجاشي وجماعته . واما ظاهر الجملة الشرطية فهو بيان ما يكون من شأنهم عند سماع القرآن ، وهو العبرة والاستعبار ، والدموع الغزار ثم بين تعالى ما يكون من مقالهم ، بعد بيان ما يكون من حالهم ، فقال
يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
أي يقولون هذا القول يريدون به إنشاء الايمان ، والتضرع إلى اللّه تعالى بأن يقبله منهم ويكتبهم مع أمة محمد عليه الصلاة والسّلام ، الذين جعلهم اللّه تعالى كالرسل شهداء على الناس ، وانما يقولون ذلك لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم ، أو مما يتناقلونه عن سلفهم ، أن النبي الأخير الذي يكمل اللّه به الدين يكون متبعوه شهداء على الناس ، أو المعنى انهم بدخولهم في هذه الأمة يكتبون من الشاهدين ، فذكر اللّه الأمة بأشرف أوصافها . قال ابن عباس ( رض ) : ان الشاهدين هنا هم الشهداء في قوله تعالى
( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )
وروي عنه أنه قال : هم محمد ( ص ) وأمته ، انهم شهدوا انه قد بلغ ، وان الرسول قال : قد بلغت ، كأنه يقول : ان الشهادة للرسل تستلزم الشهادة على من خالفهم ، والا كان هذا التفسير غير ظاهر ، لان الشهادة على المرء ضد الشهادة له . والحق ان الشهادة هنا يراد بها ان هذه الأمة تشهد على