بدأ اللّه تعالى السياق الطويل في أهل الكتاب بأخذ الميثاق على بني إسرائيل وبعث النقباء فيهم ، ثم أعاد التذكير به في أواخره هنا ، فذكره وذكر معه ارسال الرسل إليهم وما كان من معاملتهم لهم فقال :
* * *
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ، كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ
تقدم ان الميثاق هو العهد الموثّق المؤكد وان اللّه أخذه عليهم في التوراة فراجع الآية ال 13 ( ص 280 ج 6 تفسير )
وقد نقضوا الميثاق كما تبين في أوائل هذه السورة وأواخر ما قبلها . واما معاملتهم للرسل فقد بينه اللّه تعالى اجماله بهذه القاعدة الكلية ، وهي انهم كانوا كلما جاءهم رسول بشيء لا تهواه أنفسهم - وان كان مقترنا بأشياء يوافق فيها الحق أهواءهم - عاملوه بأحد امرين : التكذيب المستلزم للاعراض والعصيان ، أو القتل وسفك الدم .
والظاهر أن جملة
« كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ »
استئناف بياني لا صفة لرسل كما قال الجمهور .
وجعل الرسل فريقين في المعاملة بعد ذكر لفظ الرسول مفردا في اللفظ جائز ، لأن وقوعه مفردا انما هو بعد « كلما » المفيدة للتكرار والتعدد ، واستحسن بعضهم ان يكون جواب « كلما » محذوفا تقديره : استكبروا وأعرضوا ، وجعل التفصيل بعد ذلك استئنافا بيانيا مفصلا لما ترتب على الاستكبار وعدم قبول هداية الرسل .
وهو حسن لموافقته لقوله تعالى في آية أخرى
( 2 : 87 أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ )
وتقدم تفسيرها . والتعبير عن القتل بالمضارع مع كونه كالتكذيب وقع في الماضي نكتته تصوير جرم القتل الشنيع واستحضار هيئته المنكرة كأنه واقع في الحال ، للمبالغة في النعي عليهم والتوبيخ لهم ، فقد أفادت الآية انهم بلغوا من الفساد واتباع أهوائهم أخشن مركب وأشده تقحما بهم في الضلال ، حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهديهم ، بل صار بغريهم بزيادة الكفر والتكذيب وقتل أولئك الهداة الأخيار
* * *
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ
اي وظنوا ظنا تمكن من نفوسهم فكان كالعلم في قوته انه لا توجد ولا تقع لهم فتنة بما فعلوا من الفساد . والفتنة الاختبار بالشدائد كتسلط الأمم القوية عليهم بالقتل والتخريب والاضطهاد ، وقيل المراد بها القحط