تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
تقدم تفسيره . وكذا هذه السورة ( المائدة ) فسيأتي في غير هذه الآية خبر لعنهم . ومنها انهم لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم عليهما السّلام . وبعض ذلك اللعن مطلق وبعضه مقيد بأعمال لهم ؛ كنقض الميثاق ، والفرية على مريم العذراء ، وترك التناهي عن المنكر . ومنه لعن أصحاب السبت اي الذين اعتدوا فيه ، وقد ذكر في سورة البقرة مجملا ، وسيأتي في سورة الأعراف مفصلا . والغضب الإلهي يلزم اللعنة وتلزمه ، بل اللعنة عبارة عن منتهى المؤاخذة لمن غضب اللّه عليه ، وتقدم تفسير كل منهما . واما جعله منهم القردة والخنازير فتقدم في سورة البقرة وسيأتي في سورة الأعراف . قال تعالى في الأولى
( 2 : 60 وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ )
وقال بعد بيان اعتدائهم في السبت من الثانية
( 7 : 165 فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ )
وجمهور المفسرين على أن معنى ذلك انهم مسخوا فكانوا قردة وخنازير حقيقة ، وانقرضوا ، لان الممسوخ لا يكون له نسل كما ورد . وفي الدر المنثور « اخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله
( فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ )
قال مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة ، وانما هو مثل ضربه لهم مثل الحمار يحمل أسفارا » فالمراد على هذا أنهم صاروا كالقردة في نزواتها ، والخنازير في اتباع شهواتها . وتقدم في تفسير آية البقرة ترجيح هذا القول من جهة المعنى بعد نقله عن مجاهد من رواية ابن جرير . قال : « مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وانما هو مثل ضربه اللّه لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا » ولا عبرة برد ابن جرير قول مجاهد هذا وترجيحه القول الآخر فذلك اجتهاده ، وكثيرا ما يرد به قول ابن عباس والجمهور . وليس قول مجاهد بالبعيد من استعمال اللغة . فمن فصيح اللغة ان تقول : ربى فلان الملك قومه أو جيشه على الشجاعة والغزو ، فجعل منهم الأسود الضواري ، وكان له منهم الذئاب المفترسة . واما قوله تعالى
« وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ »
ففيه قراءتان سبعيتان متواترتان وعدة قراءات شاذة . قرأ الجمهور
« عَبَدَ »
بالتحريك على أنه فعل ماض من العبادة ، و
« الطَّاغُوتَ »
بالنصب مفعوله ، والجملة على هذا معطوفة على قوله
( لَعَنَهُ اللَّهُ )
اي
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 448 | الشيخ محمد رشيد رضا