وهم خاضعون لأمر اللّه تعالى طيبة نفوسهم بأمره ، لا خوفا ولا رياء ولا سمعة . أو يعطونها وهم في ضعف ووهن لا يأمنون الفقر والحاجة . فاستعمل الركوع في المعنى النفسي لا الحسي ، وهو التطامن والخشوع للّه . أو الضعف وانحطاط القوى . قال في حقيقة الركوع من الأساس : وكانت العرب تسمى من آمن باللّه ولم يعبد الأوثان راكعا . ويقولون « ركع إلى اللّه » اي اطمأن اليه خالصة . قال النابغة :
سيبلغ عذرا أو نجاحا من امرئ * إلى ربه رب البرية راكع
فهذا هو الشاهد على الوجه الأول . وقال في مجاز الركوع : وركع الرجل انحطت حاله وافتقر . قال :
لا تهين الفقير علّك ان تر * كع يوما والدهر قد رفعه
وفسره بعضهم بركوع الصلاة وهو الانحناء فيها ، ورووا من عدة طرق انها نزلت في أمير المؤمنين علي المرتضى كرم اللّه وجهه إذ مرّ به سائل وهو في المسجد فأعطاه خاتمه . ولكن التعبير عن المفرد بالذين آمنوا وعن اعطاء الخاتم بيؤتون الزكاة ، مما لا يقع في كلام الفصحاء من الناس ، فهل يقع في المعجز من كلام اللّه ، على عدم ملاءمته للسياق ؟
اما افراد
« وَلِيُّكُمُ »
مع اسناد الجمع اليه فهو لبيان ان الولي الناصر بالذات هو اللّه تعالى ، كما قال
( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا )
وان ولاية الرسول والمؤمنين تبع لولايته .
ولو قال : ان أولياؤكم اللّه ورسوله والذين آمنوا - لما أفاد هذا المعنى ، لأن هذا التعبير لا يدل على تفاوت ما بين المعطوف والمعطوف عليه ، وهل يستوي الخالق والمخلوق ، والرب المالك والعبد المملوك ؟
* * *
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
اي إذا كان اللّه هو وليكم وناصركم ، وكان الرسول والذين آمنوا أولياء لكم بالتبع لولايته ، فهم بذلك حزب اللّه تعالى ، واللّه ناصر لهم . ومن يتولّ اللّه تعالى بالايمان به والتوكل عليه ، ويتولى الرسول والمؤمنين بنصرهم وشد أزرهم ، وبالاستنصار بهم دون أعدائهم ، فإنهم هم الغالبون فلا يغلب من يتولاهم ؛ لأنهم حزب اللّه تعالى . ففيه وضع المظهر موضع الضمير . ونكتته بيان علة كونهم هم الغالبين .