فجعله نفسه هدى من وجه آخر وموعظة للمتقين ، ولعله ما انفرد به من المسائل الروحية ، والمواعظ الأدبية ، وزلزل ذلك الجمود الإسرائيلي المادي ، وزعزعة ذلك الغرور الذي كان الكتبة والفرّيسيون من اليهود مفتونين به . وخص هذا النوع بالمتقين لأنهم هم الذين ينتفعون به إذ لا يفوتهم شيء من الكتاب لحرصهم عليه ، وعنايتهم به .
والحكمة في هذا النوع من الهدى والموعظة فقه اسرار الشريعة ومعرفة حكمتها والمقصد منها ، والعلم بأن وراء تلك التوراة وهذا الإنجيل هداية أتم وأكمل . ودينا أعم وأشمل ، وهو الذي يجيء به النبي الأخير ( البارقليط ) الأعظم ، ولولا زلزال الإنجيل في جملته لتلك التقاليد وزعزعته لذلك الغرور ، وانس الناس بما حفظ من تعاليمه عدة قرون ، لما انتشر الاسلام بين أهل الكتاب في سورية ومصر وبين النهرين بتلك السرعة .
* * *
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
قرأ الجمهور
« وَلْيَحْكُمْ »
بصيغة الامر ، وهو حكاية حذف منها لفظا لقول - ومثله كثير في القرآن - أي وقلنا ليحكم أهل الإنجيل بما أنزله اللّه فيه من الاحكام ، أي امرناهم بالعمل به ، فهو مثل قوله في أهل التوراة
« وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها »
كذا وكذا . وقرأ حمزة
« وَلْيَحْكُمْ »
بكسر اللام ، أي ولأجل ان يحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه . وجوزوا ان يكون قوله
« وَهُدىً وَمَوْعِظَةً »
مفعولا لأجله وعطف
« وَلْيَحْكُمْ »
عليه مع اظهار اللام لاختلاف الفاعل .
وكيفما قرأت وفسرت لا نجد الآية تدل على أن اللّه تعالى بأمر النصارى في القرآن بالحكم بالإنجيل كما يزعم دعاة النصرانية بما يغالطون به عوام المسلمين . ولو فرضنا انه أمرهم بذلك بعبارة أخرى لتعين ان يكون الامر للتعجيز وإقامة الحجة عليهم ، فإنهم لا يستطيعون العمل بالإنجيل ولن يستطيعوه . وسيأتي لهذا البحث تتمة .
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
أي فأولئك هم الخارجون من حظيرة الدين الذين لا يعدون منه في شيء ، أو الخارجون من الطاعة له ، المتجاوزون لاحكامه وآدابه
ومن مباحث اللفظ في الآيات ان قوله
« فَأُولئِكَ هُمُ »
الخ راجع إلى
« مَنْ »
بحسب معناها فإنها من صبغ العموم . وأما فعل « يحكم » فهو راجع إلى لفظها وهو مفرد . ومثل هذا كثير ، يراعى اللفظ في الأول لقربه ويراعى المعنى فيما بعده