الغراب والدفن لا ذكر لها في التوراة . وفي هذه الروايات زيادات كثيرة لا فائدة لها ولا صحة . واللام في قوله تعالى
« لِيُرِيَهُ »
للتعليل إذا كان الضمير راجعا إلى اللّه تعالى ، أي انه تعالى ألهم الغراب ذلك ليتعلم ابن آدم منه الدفن . وللصيرورة والعاقبة إذا كان الضمير عائدا إلى الغراب . اي لتكون عاقبة بحثه ما ذكر .
ولما رأى القاتل الغراب يبحث في الأرض ، وتعلم منه سنة الدفن ، وظهر له من ضعفه وجهله ما كان غافلا عنه ،
قالَ يا وَيْلَتى : أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ؟ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
قال جمهور المفسرين : ان
« يا وَيْلَتى »
كلمة تحسر وتلهف ، وانها تقال عند حلول الدواهي والعظائم . وقال في لسان العرب :
والويل حلول الشر ، والويلة الفضيحة والبلية . وقيل هو تفجع . وإذا قال القائل :
يا ويلتاه ! فإنما يعني وافضيحتاه ! وكذلك تفسير
( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ )
اه وهذا هو المعنى الصحيح . والألف في الكلمة بدل ياء المتكلم إذ الأصل : يا ويلتي .
والنداء للويلة لإفادة حلول سببها الذي تحل لأجله حتى كأنه دعاها اليه وقال : أقبلي فقد آن أوان مجيئك ، فهل بلغ من عجزي أن كنت دون الغراب علما وتصرفا ؟
والاستفهام للاقرار والتحسر . وأما الندم الذي ندمه فهو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعل فعله إذا ظهر له ان فعله كان شرا له لا خيرا . وقد يكون الندم توبة ، إذا كان سببه الخوف من اللّه تعالى والتألم من تعدي حدوده ، وقصد به الرجوع اليه . وهذا هو المراد بحديث « الندم توبة » رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم والبيهقي ، وعلم عليه في الجامع الصغير بالصحة . وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا اليه فلا يعد وحده توبة ، والتوبة من احداث البدعة لا تنجي مبتدعها من سوء أثرها . وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعا « لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم كفل ( نصب ) من دمها لأنه أول من سن القتل »
* * *
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ
قال في اللسان - وقد ذكر الآية :
وقول العرب فعلت ذلك من أجل كذا ، وأجل كذا ( بفتح اللام ) ومن أجلاك ( وتكسر الهمزة فيهما ) - قال الأزهري : « والأصل في قولهم فعلته من أجلك : أجل عليهم أجلا ، أي جنى وجرّ » ثم قال : وأجل عليهم شرا بأجله ( بضم الجيم وكسرها )