تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
انسان متمكنا بقواه الفطرية من أعمال الفجور والشرور ، ومن أعمال التقوى والخيرات ، وهو الذي يزكي نفسه بهذه أو يدسيها بتلك . فمن صحت عقيدته وحسن عمله ، صلحت نفسه وزكت ، وكانت أهلا للنعيم في ذلك العالم العلوي ، ومن كانت عقيدته خرافية باطلة ، وأعماله سيئة ، فسدت أخلاقه ، وخبثت نفسه ، وكان هو الذي تكلف تدسيتها ودهورتها إلى هاوية الجحيم . ولا يشترط في التزكية ، ان لا يلم الانسان بخطأ ولا تقع منه سيئة البتة ، بل المدار على طهارة القلب وسلامته من الخبث وسوء النية ، بحيث إذا غلبه بعض انفعالات النفس فألم بذنب يبادر إلى التوبة ، ويلجأ إلى الندم والاستغفار ، وتكفير ذلك الذنب بعمل صالح . فيكون مثل نفسه كمثل بيت تتعاهده ربته بالكنس والمسح وسائر وسائل النظافة ، فإذا ألمّ به غبار أو اصابه دنس بادرت إلى ازالته فيكون الغالب عليه النظافة ، ولا يشترط في الشهادة له بذلك ما لا تخلو منه البيوت النظيفة عادة من قليل غبار أو وسخ لا يلبث ان يزال ، فالجزاء أثر لازم للعمل ،
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
وقد شرحنا هذا المعنى بالتفصيل في مواضع متعددة . منها في تفسير هذه السورة ما تقدم في الكلام على قوله تعالى : ( 122
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ . مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً . وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً )
وقوله تعالى ( 16
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ )
- الآيتين ، وقوله تعالى ( 30
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً )
وقوله ( 47 و 116
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) *
الخ فمن اخلص للّه في تزكية نفسه واصلاحها بالايمان والعمل الصالح بقدر استطاعته كان مقبولا مرضيا عند اللّه تعالى ولا يؤاخذه تعالى بما لا يستطيع ، ومن لم يكن كذلك غضب اللّه عليه وكان محروما من رضوانه الأكبر ، ولا ينفعه في الآخرة شفاعة شافع ، ولا يقبل منه فداء لو ملك الفداء . ولا يستطيع أحد من أهل السماوات والأرض ان يشفع لاحد لم يرض اللّه تعالى الايمان والاخلاص وتزكية النفس ، التي يغلب بها الحق والخير على ضدهما
( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟
-