تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
آمن من آمن من علماء اليهود المنصفين واعترفوا بعد ايمانهم بما بقي عندهم من البشارات وصفات النبي ( ص )
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
مما كنتم تخفونه فلا يفضحكم ببيانه . وهذا النص حجة عليهم أيضا لأنهم يعلمون انهم يخفون عن المسلمين وعن عامتهم كثيرا من المسائل لئلا يكون حجة عليهم إذ هم لا يعملون به ، كدأب علماء السوء في كل أمة : يكتمون من العلم ما يكون حجة عليهم ، كاشفا عن سوء حالهم ، أو يحرفونه تحريفا معنويا بحمله على غير معناه المراد
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ
في المراد بالنور هنا ثلاثة أقوال أحدها انه النبي ( ص ) ، ثانيها أنه الاسلام ، ثالثها انه القرآن ، ووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نورا هو انها للبصيرة كالنور للبصر ، فلو لا النور لما أدرك البصر شيئا من المبصرات ، ولولا ما جاء به النبي من القرآن والاسلام لما أدرك ذو البصيرة من أهل الكتاب ولا من غيرهم حقيقة دين اللّه ، وحقيقة ما طرأ على التوراة والإنجيل من ضياع بعضها ونسيانه ، وعبث رؤساء الدين بالبعض الآخر باخفاء بعضه وتحريف البعض الآخر ، ولظلوا في ظلمات الجهل والكفر لا يبصرون . والكتاب المبين هو القرآن ، وهو بين في نفسه مبين لما يحتاج اليه الناس لهدايتهم ، ولولا عطفه على النور لما فسرو النور الا به ، فان الأصل في العطف ان يكون المعطوف غير المعطوف عليه ، ولكن العطف قد يرد للتفسير ، وهو الذي أختاره هنا لتوافق هذه الآية وما بعدها قوله تعالى في أواخر سورة النساء
( 4 : 72 يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً 173 فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً )
وقد قال هنا بعد ذكر هذا النور : * * *
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
فبين مزية النور والكتاب المبين بضمير المفرد فقال
« يَهْدِي بِهِ »
ولم يقل بهما ، فكان هذا مرجحا لكون المراد بهما واحدا وهو القرآن . وثم شواهد أخرى تؤيد ما اخترناه غير آيتي النساء ، كقوله تعالى في