يرجون به أن يرتد إليهم من آمن من الفقراء وهم أكثر السابقين الأولين . جاء هذا التفصيل للمحرمات بعد قوة الاسلام وتوسعة اللّه على أهله وإعزازهم ، وبعد ان يئس المشركون بذلك من نفور أهله منه وفرارهم من تكاليفه ، وزال طمعهم في الظهور عليهم وإزالة دينهم بالقوة القاهرة ، فكان المؤمنون أجدر بأن لا يبالوا بمداراتهم ، ولا يهتموا بما ينفرهم من الاسلام ، وأن لا يخافوهم على أنفسهم وعلى دينهم . قيل إن المراد باليوم في هذه الجملة وفيما بعدها مطلق الوقت والزمن كما تقول كنت بالأمس طفلا أو غلاما وقد صرت اليوم رجلا . والصحيح ان المراد به يوم عرفة من عام حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة وكان يوم جمعة ، وهو اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية المبينة لما بقي من الاحكام التي أبطل بها الاسلام بقايا مهانة الجاهلية وخبائثها واوهامها ، والمبشرة بظهور المسلمين على المشركين ظهورا تاما لا مطمع لهم في زواله ولا حاجة معه إلى شيء من مداراتهم أو الخوف من عاقبة أمرهم ، وستأتي الروايات في ذلك . والمعنى ان اخبر اللّه المؤمنين بأن الكفار أنفسهم قد يئسوا من زوال دينهم ، وانه ينبغي لهم وقد بدلهم بضعفهم قوة وبخوفهم أمنا وبفقرهم غنى ان لا يخشوا غير اللّه الذي جربوا فضله عليهم وإعزازه لهم . ثم قال
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
نبدأ تفسير هذه البشارات الثلاث مع حمد اللّه وشكره ، والثناء عليه بما هو أهله ، بذكر صفوة ما ورد فيها عن مفسري السلف من معناها وزمن نزولها ومكانه . روى البيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس في قوله
« الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ »
يقول يئس أهل مكة ان ترجعوا إلى دينهم عبادة الأوثان ابدا
« فَلا تَخْشَوْهُمْ »
في اتباع محمد
« وَاخْشَوْنِي »
في عبادة الأوثان وتكذيب محمد . فلما كان ( أي النبي ص ) واقفا بعرفات نزل عليه جبريل وهو رافع يده والمسلمون يدعون اللّه
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ »
يقول حلالكم وحرامكم فلم ينزل بعده حلال ولا حرام ،
« وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي »
قال منتي فلم يحج معكم مشرك
« وَرَضِيتُ »
يقول اخترت
« لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »
مكث رسول اللّه ( ص ) بعد نزول هذه الآية احدى وثمانين يوما ( ؟ ) ثم قبضه اللّه اليه . وروى ابن جرير وابن المنذر عنه ( أي ابن عباس )