ومكان ، وعلى عهد كل دين من الأديان ، يستنون بسنة مشركي الجاهلية ، ولا تطمئن قلوبهم الا بخرافات الوثنية ، فإن لم يستقسموا بالأزلام استقسموا بما هو مثلها وفي معناها ، ولكنهم يسمون عملهم هذا اسما حسنا ، كما يفعل بعض المسلمين حتى عصرنا هذا بالاستقسام بالسبح وغيرها ، ويسمونه استخارة وما هو من الاستخارة التي ورد الاذن بها في شيء . وقد يسمونه اخذ الفال ، وذلك انهم يقتطعون طائفة من حب السبحة ويحولونه حبة بعد أخرى يقولون « افعل » على واحدة و « لا تفعل » على أخرى ويكون الحكم الفصل للحبة الأخيرة ، وبعضهم يقول كلمات أخرى بهذا المعنى ، تختلف كلماتهم كما كانت تختلف كلمات سلفهم من الجاهلية والمعنى والمقصد واحد . ومنهم من يستقسم بورق اللعب الذي يقامرون به أحيانا ، ومنهم من يأخذ الفال بفصوص النرد ( الطاولة ) وأمثاله من أدوات اللعب . وفصوص النرد هذه هي كعاب الفرس التي أدخلها مجاهد في الأزلام وجعلها كسهام العرب في التحريم سواء . وقد ورد في الأحاديث ما يؤيد تحريمها . ومنهم من يستقسم أو يأخذ الفال أو الاستخارة - كما يقولون - بالقرآن العظيم ، فيصبغون عملهم بصبغة الدين ، وهو يتوقف على النص لان الزيادة في الدين كالنقص منه ، وهل يحلّ عمل الجاهلية بتغيير صورته ؟ ويلبس الباطل ثوب الحق فيصير حقا ؟ اللهم انك أنزلت القرآن هدى للمتقين فترك قوم الاهتداء وحرموه على أنفسهم ، واكتفوا مما يدعون من الايمان به والتعظيم له بالاستقسام به كما كانت الجاهلية تستقسم بالأزلام ، أو الاستشفاء بمداد تكتب به آياته في كاغد اوجام ، اللهم لا تؤاخذنا بذنوبهم في الآخرة ، فقد كفانا ما أصاب الأمة بضلالهم في هذه الحياة العاجلة ، اللهم واجعل لنا فرجا ومخرجا من فتنتهم ، وفتنة من تركوا الدين كله استنكافا من خرافاتهم وخرافات أمثالهم ،
وليعلم القارئ أن العادة والألف يجعلان البدعة معروفة كالسنة ، والسنة منكرة كالبدعة ، فما حاول أحد إماتة بدعة أو احياء سنة الا وأنكر الناس عليه عمله باسم الدين ، ولا طال العهد على بدعة الا وتأولوا لفاعليها وانتحلوا لها مسوغا من الدين ، ومن ذلك زعم بعضهم ان ما يفعله بعض الناس من الاستقسام بالسبح وغيرها يصح ان يعد من الفأل الحسن وقد روى ابن ماجة عن أبي هريرة والحاكم عن عائشة انه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 150
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص١٥٠