تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
آل عمران
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ »
وقال في سورة المائدة
« يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً »
أي اعتصموا بهذا النور الذي انزل إليهم وهو القرآن المجيد ، وهو حبل اللّه في الآية الأخرى ( ثالثها ) اخلاص الدين للّه عز وجل بأن يتوجه اليه وحده فلا يدعى من دونه أحد ، ولا يدعى معه أحد ، لا لكشف ضر ولا لجلب نفع ، ولا يتخذ من دونه أولياء يجعلون وسطاء عنده ، بل يكون كل ما يتعلق بالدين والعبادة - وأعظمها وأهم أركانها الدعاء - خالصا له وحده ، لا تتوجه فيه النفس إلى غيره ولا يسأل اللسان سواه ، ولا يستعان فيما وراء الأسباب العامة بين البشر بمن عداه
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )
هذا هو أهم ما يقال في اخلاص الدين للّه . قال تعالى في أول سورة الزمر
( فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ )
فالمنافقون في الدرك الأسفل من الهاوية الا من استثني
فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
أي فأولئك التائبون ، الذين هم لتلك الاعمال عاملون ، يكونون مع المؤمنين لأنهم منهم ، يؤمنون ايمانهم ويعملون عملهم ، ثم يجزون جزاءهم ، وهو ما عظم اللّه تعالى شأنه بقوله
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً
أي سوف يعطيهم في الآخرة أجرا لا يعرف أحد كنهه ،
( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ )
* * *
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ؟
استفهام إنكاري بين اللّه لنا به انه سبحانه لا يعذب أحدا من عباده تشفيا منه ولا انتقاما بالمعنى الذي يفهمه الناس من الانتقام بحسب استعمالهم إياه فيما بينهم ، وانما ذلك جزاء كفرهم بنعم اللّه عليهم بالحواس والعقل والوجدان والجوارح باستعمالها في غير ما خلقت لأجله من الاهتداء بها إلى تكميل نفوسهم بالعلوم والفضائل والاعمال النافعة - وكفرهم باللّه تعالى باتخاذ شركاء له ( وان سمائهم بعضهم وسطاء وشفعاء ) فبكفرهم باللّه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 475 | الشيخ محمد رشيد رضا