البقرة
« يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ »
فخداعهم لأنفسهم بسوء اختيارهم لها هو عين خديعة اللّه تعالى لهم إذ كانت سنته فيمن يعمل عملهم ما أشرنا اليه آنفا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة . ولفظ
« خادِعُهُمْ »
اسم فاعل من الثلاثي والذي يسبق إلى ذهني أنه يدل على الغلبة ( وهو ما تضم عين فعله المضارع ) أي وهو تعالى يغلبهم في الخديعة بجعل خداعهم عليهم لا لهم ،
هذا شأن المنافقين في كل ملة وأمة ، يخادعون ويكذبون ، ويكيدون ويغشون ، ويتولون أعداء أمتهم ، ويتخذون لهم يدا عندهم ، يمتون بها إليهم إذا دالت الدولة لهم ، وسيأتي في الآية التي بعد هذه بيان ذبذبتهم ، ولكن لا يخفى على كل من الأمتين حالهم ،
ومهما تكن عند امرئ من خليقة * وان خالها تخفى على الناس تعلم
فهم يهدمون بناء الثقة بهم بأيديهم ، وكأين من منافق كانت خيانته لامته ومساعدة أعدائها عليها سببا لهلاكه بأيدي أولئك الأعداء أنفسهم ، وقولهم : لو كان في هذا خير لكان قومه أولى بخيره منا ونحن أعداؤه وأعداؤهم ، فإن كان قد خانهم فستكون خيانته لنا أشد . والناس يقرءون أخبار هؤلاء الأشرار في كتب التأريخ ولا يعتبرون ، ويكثر هؤلاء المنافقون في طور ضعف الأمة وقوة أعدائها لأنهم طلاب المنافع ولو فيما يضر أمتهم والناس أجمعين . وانما تلتمس المنافع من الأقوياء وان اقترن التماسها بالعار ، والذل والصغار
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
أي متثاقلين لا رغبة تبعثهم ولا نشاط لأنهم لعدم إيمانهم لا يرجون فيها ثوابا في الآخرة ، ولا يبتغون بها تربية ملكة مراقبة اللّه تعالى وحبه والانس بذكره ومناجاته لتنتهي نفوسهم بذلك عن الفحشاء والمنكر ، وتكون أهلا لرضوان اللّه الأكبر ، كما هو شأن المؤمنين الصادقين .
وانما هي عندهم كلفة مستثقلة فإذا كانوا بمعزل عن المؤمنين تركوها . وإذا كانوا معهم سايروهم بالقيام إليها ،
يُراؤُنَ النَّاسَ
بها ، أي يبتغون بذلك أن يراهم الناس المؤمنون فيعدوهم منهم ، فالكسل التثاقل عما ينبغي النشاط فيه ، والمراءاة