وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ )
وتقدم مثله في البقرة أي ذلك الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة عليهم وخلاقتهم بالغضب الإلهي بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم . وفي التنصيص على كون ذلك بغير حق مع العلم به تغليظ عليهم وتشنيع على تحريهم الباطل وكون ذلك عن عمد لا عن خطأ . ثم بين سبب هذا الكفر والعدوان الشنيع فقال
( ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ )
أي جرأهم على ذلك سبق المعاصي والاستمرار على الاعتداء فتدرجوا من الصغائر إلى الكبائر إلى أكبر الموبقات وهو الكفر وقتل الأنبياء المرشدين والهداة الصالحين الذين يأمرون بالمعرون وينهون عن المنكر ؛ فصار هذا العصيان والاعتداء خلقا للأمة وطبعا لها يتوارثه الأبناء عن الآباء بلا نكير ، ولهذا نسب إلى متأخريهم عمل متقدميهم والأمم متكافلة ينسب إلى مجموعها مافشا فيهم وإن ظهر بعض آثاره في زمن دون زمن وتقدم بيان ذلك غير مرة .
ومن مباحث اللفظ في الآية : إعراب قوله تعالى
« إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ »
قال الزمخشري : هو في محل النصب على الحال بتقدير « إلا معتصمين أو متمسكين أو متلبسين بحبل من اللّه وحبل من الناس وهو استثناء من أعم الأحوال » والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل اللّه وحبل الناس .
( 113 : 109 ) لَيْسُوا سَواءً ، مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ 114 : 110 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ 115 : 111 ) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
قوله تعالى
( لَيْسُوا سَواءً )
كلام تام أي ليس أهل الكتاب متساوين في هذه الأوصاف والاعمال القبيحة التي ذكرت آنفا ؛ بل منهم المؤمنون وهم الأقلون ؛ ومنهم الفاسقون وهم الأكثرون ، كما قال في الآية المتقدمة
« مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ »
فهو بيان له بعد وصف الفاسقين وذكر ما استحقت الأمة بسوء عملهم . ولما بين وصف فاسقيهم كان من العدل الإلهي ان يبين وصف مؤمنيهم ، ولذلك قال :
( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ )