عليه إبراهيم وإسرائيل ، وهو إلزام لا يمكنهم التفصي منه . لأنه ثابت عندهم في التوراة وهو يدل على نبوة النبي على كل حال . إذ أخبرهم بما عندهم ولم يطلع عليه . وبهذا يسقط بحثهم في كون التحليل والتحريم لا يكونان إلا من اللّه .
ومن مباحث اللفظ في الآية : أن الطعام ما يطعم ، أي يتناول لأجل الغذاء ، كما قال الراغب . وقد يقال أيضا : طعم الماء - بكسر العين - وكان يطلق غالبا على الخبز . ومنه قولهم : أكل الطعام مأدوما ، وعلى البر . ومنه حديث أبي سعيد « كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير » الخ متفق عليه . ومن إطلاقه على غيره حتما : قوله تعالى
( 5 : 96 أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ )
وعلى الذبائح أو العموم قوله
( 5 : 5 وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ )
الآية . والحل بالكسر مصدر حل الشئ ضد حرم ، وهو مستعار من حل العقدة ، كما قال الراغب . وإسرائيل : لقب نبي اللّه يعقوب عليه السّلام . ومعناه « الأمير المجاهد مع اللّه » وقد علمت ما عندهم في سبب إطلاقه عليه من عبارة سفر التكوين التي ذكرناها آنفا . ثم أطلق على جميع ذريته كما هو شائع في كتب القوم من الأسفار المنسوبة إلى موسى فما دونها .
( فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ )
البيان وإلزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الاتيان بها وتلاوتها على الملأ ، وامتناعهم عن ذلك لئلا يظهر أن اللّه لم يحرم عليهم شيئا من الطعام قبل التوراة . والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم
( فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم اللّه بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه .
( قُلْ صَدَقَ اللَّهُ )
فيما أنبأني به من عدم تحريم شئ على إسرائيل قبل التوراة ، وقامت الحجة عليكم بذلك . فثبت أنني مبلغ عنه . إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم . وإذ كان الأصل كذلك
فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ )
التي أدعوكم إليها حال كونه
( حَنِيفاً )
لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ، ولا إفراط ولا تفريط . بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة