تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
الأعمال تزاول بها ، وليفيد أن ما عذبوا عليه هو من عملهم حقيقة لا مجازا . فان نسبة الفعل إلى يد الفاعل تفيد من إلصاقه به ما لا تفيده نسبته إلى ضميره لأن الاسناد إلى اليد يمنع التجوز ، فمن المعهود أن يقال : فلان فعل كذا إذا أمر به أو مكن العامل منه وان لم يباشره بنفسه ومتى أسند إلى يده تعين أن يكون باشر فعله بنفسه ، وإن لم يكن من عمل الأيدي ويدخل في قوله
« بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ »
جميع ما كان منهم من ضروب الكفر والفسوق والعصيان
( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )
أي ، ذلك العذاب إنما يصيبكم بعملكم وبكونه تعالى عادلا في حكمه وفعله لا يجور ولا يظلم ، فيعاقب غير المستحق للعقاب ولا يجعل المجرمين كالمتقين والكافرين كالمؤمنين ، فلو كان سبحانه ظلاما لجاز أن لا يذوقوا ذلك العذاب على كفرهم به واستهزائهم بآياته وقتلهم لأنبيائه بأن يجعلوا مع المقربين في جنات النعيم وإذا لكان الدين عبثا
( 38 : 28 أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )
45 : 21 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ؟ ساءَ ما يَحْكُمُونَ )
68 : 35 أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 36 ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )
فالاستفهام الانكارى في هذه الآيات يدل على أن ترك تعذيب أولئك الكفرة الفجرة هو من المساواة بين المحسن والمسىء ووضع الشئ في غير موضعه وناهيك به ظلما كبيرا . فبهذا كله تعلم أن استشكال عطف نفى الظلم على جرائمهم في غير محله والمبالغة في صيغة « ظلام » لا فائدة ان ترك عقوبة مثلهم يعد ظلما كبيرا أو كثيرا وقال الأستاذ الامام : يعنى أن هذه العقوبة عدل منه سبحانه وأشار بصيغة المبالغةظلام ) إلى أن مثل هذه التسوبة لا تصدر إلا ممن كان كثير الظلم مبالغا فيه . وقال غيره : إنه لما كان القليل من الظلم يعد كثيرا بالنسبة إلى رحمته الواسعة عبر في نفيه بصيغة المبالغة الدالة عل الكثرة .
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
أي أولئك هم الذين قالوا في الاعتذار عن عدم الايمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 266 | الشيخ محمد رشيد رضا