تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
حل ما فعلوا من رمى الكعبة بالمنجنيق ، ولكنها السياسة تحمل صاحبها على مخالفة الاعتقاد ، وتوقعه في الظلم والالحاد ، وان ما يفعل الآن في الحرم من الظلم والالحاد المستمر لم يسبق له نظير في جاهلية ولا إسلام . ولا ضرورة ملجئة اليه ، وإنما هي السياسة السوءى قضت بتنفير الناس من أمراء مكة وشرفائها وإبعاد عقلاء المسلمين عنها حتى لا يكون للمسلمين فيها قوة في الدين ولا في العلم والرأي ! ! وما ذا يكون من ضرر هذه القوة ؟ يوسوس لهم شيطان السياسة : أن عمران الحجاز وثقة الناس بأمرائه وشرفائه ، وأمن العقلاء والسروات فيه ربما يكون سببا في إنشاء خلافة عربية فيه . إن كثيرا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحح عقبات سياسية لا يسهل اقتحامها . وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن . وقد كان الأستاذ الامام يعتقد اعتقادا جازما فيه أنه إذا حج يلقى بيديه إلى التهلكة ، وأنه لا أمان له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء . وان كاتب هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد . فنسأل اللّه تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون قوله
( وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً )
لنمتثل ما فرضه علينا من حج هذا البيت - كما يأتي في تتمة الآية - فلا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال : إن المراد به الامن من العذاب يوم القيامة . وقد رد الأستاذ الامام هذا التأويل ، وقال ما معناه : انه هدم للدين كله . فان الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح ، الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر اللّه تعالى ، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الايمان ، إذا أخلص صاحبه فيه . أقول : ولا تنس في هذا المقام مثل قوله تعالى
( 6 : 82 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )
وما رووه في ذلك من الآثار لا ينافي المتبادر المختار ، وما أظن أن ذلك يصح عن الإمام جعفر الصادق كما قيل . أما قوله تعالى :
( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )
فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت جاءت بصيغة الايجاب والفرضية في معرض ذكر مزاياه ودلائل كونه أول بيوت العبادة المعروفة للمعترضين من اليهود على استقباله في
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 9 | الشيخ محمد رشيد رضا