أنه لم يأذن بقتل ذلك المنافق المجاهر بعدائه ؛ بل رحمه وعذره . ولم تكن المصلحة العامة تتوقف عل قتله . ولم تكن العرب قبل الاسلام تراعى هذه الدقة في حفظ الدماء ، بل قلما تراعيه أمة من الأمم في زمن الحروب
ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل ، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال « لا يقاتلن أحد حتى نأمر بالقتال » وفي ذلك من أحكام الحرب أن الرئيس هو الذي يفتحها ، وما كانت العرب تراعى ذلك دائما لا سيما إذا حدث ما يثير حميتهم ، وقد امتثلو الأمر على استشراف . ولذلك قال بعض الأنصار - وقد رأى قريشا قد سرحت الظهر والكراع في زروع المسلمين أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب ؟ وفيه من الفوائد ما لا محل لشرحه هنا
فلما أصبح يوم السبت تعبى للقتال وهو في سبع مائة فيهم خمسون فارسا ، وظاهر بين درعين - اى لبس درعا فوق درع - واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد اللّه بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف ، وهو معلم يومئذ بثياب بيض وقال « انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك » ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بنى عبد الدار ، وجعل على احدى المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى المنذر بن عمرو
ثم استعرض صلّى اللّه عليه وسلّم الشبان يؤمئذ ، فرد من استصغره عن القتال وهم 17 واحاز افرادا من أبناء الخامسة عشرة ، قيل لسنهم وقيل لبنيتهم وطاقتهم ، ولعله الصواب . فإنه كان قد رد سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمس عشرة سنة ، فقيل له يا رسول اللّه ؛ ان رافعا زام فأجازه ، فقيل له فان سمرة يصرع رافعا . فاجازه ، وروى أنهما تصارعا امامه ورد عبد اللّه بن عمر وزيد بن ثابت وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير والبراء بن عازب ثم أجازهم يوم الخندق ، وهم أبناء خمس عشرة إذ كانوا يطيقون القتال في هذه السن كما هو الغالب في العرب يومئذ
وتعبت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل معهم مئتا فرس قد جنبوها ؛ فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل وابتدأت الحرب بالمبارزة
ولما اشتبك القتال والتقى الناس بعضهم ببعض قامت هند بنت عتبة في النسوة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 99
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٩٩