تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها فلا يصلون منها إلى مطلوب ، ولا يهتدون فيها إلى مرغوب ، ولكن فرقا بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم ، وبين من لم يظهر له الحق فهو تائه بين الطرق لا يهتدى إلى الجادة الموصلة منها ، وهم من لم تبلغهم الرسالة ، أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق ، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين ، فان الضال حقيقة هو التائه الواقع في عماية لا يهتدى معها إلى المطلوب ، والعماية في الدين هي الشبهات التي تلبس الحق بالباطل وتشبه الصواب بالخطأ الأستاذ الامام : الضالون على أقسام ( الأول ) من لم تبلغهم الدعوة إلى الرسالة ، أو بلغتهم على وجه لا يسوق إلى النظر . فهؤلاء لم يتوفر لهم من أنواع الهداية سوى ما يحصل بالحس والعقل ، وحرموا رشد الدين ، فإن لم يضلوا في شؤونهم الدنيوية ضلوا لا محالة فيما تطلب به نجاة الأرواح وسعادتها في الحياة الأخرى . على أن من شأن الدين الصحيح أن يفيض على أهله من روح الحياة ما به يسعدون في الدنيا والآخرة معا ، فمن حرم الدين حرم السعادتين ، وظهر أثر التخبط والاضطراب في أعماله المعاشية ، وحل به من الرزايا ما يتبع الضلال والخبط عادة ، سنة اللّه في هذا العالم ولن تجد لسنته تبديلا . أما أمرهم في الآخرة فعلى أنهم لن يساووا المهتدين في منازلهم ، وقد يعفو اللّه عنهم وهو الفعال لما يريد وأزيد في إيضاح كلام الأستاذ أن الذين حرموا هداية الدين لا يعقل أن يؤاخذوا في الآخرة على ترك شئ مما لا يعرف إلا بهذه الهداية . وهذا هو معنى كونهم غير مكلفين ، وعليه جمهور المتكلمين ، لقوله تعالى في سورة الإسراء
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
ومن قال إنهم مكلفون بالعقل لا يظهر وجه لقوله إلا إذا أراد أن حالهم في الآخرة تكون على حسب ارتقاء أرواحهم بهداية العقل وسلامة الفطرة إذ لا شك أن من لم يبعث فيهم رسول يتفاوتون في إدراكهم وأعمالهم بتفاوت استعدادهم الفطري وما يصادفون من حسن التربية وقبحها . وبهذا يجمع بين القولين في تكليفهم وعدمه أو يفصل بينها . وما يعطيهم اللّه تعالى إياه في الآخرة على حسب حالهم في الخير والشر والفضيلة والرذيلة - يكون جزاء عادلا