حتى إذا مر بالطائف خرج إليه رجال من ثقيف فقالوا له : إن البيت الذي يقصده ليس عندهم إنما هو في مكة . وذلك ليدفعوه عن بيتهم الذي بنوه للّات ! وبعثوا معه من يدله على الكعبة ! فلما كان أبرهة بالمغمس بين الطائف ومكة ، بعث قائدا من قواده حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم ، فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها .
فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله . ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوا ذلك .
وبعث أبرهة رسولا إلى مكة يسأل عن سيد هذا البلد ، ويبلغه أن الملك لم يأت لحربهم وإنما جاء لهدم هذا البيت ، فإن لم يتعرضوا له فلا حاجة له في دمائهم ! فإذا كان سيد البلد لا يريد الحرب جاء به إلى الملك . .
فلما كلم عبد المطلب فيما جاء به قال له : واللّه ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة . هذا بيت اللّه الحرام .
وبيت خليله إبراهيم عليه السلام . . فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه فو اللّه ما عندنا دفع عنه . . فانطلق معه إلى أبرهة . .
قال ابن إسحاق : وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم . فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه ، وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه . فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جانبه . ثم قال لترجمانه : قل له : ما حاجتك ؟ فقال : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي . فلما قال ذلك ، قال أبرهة لترجمانه ؛ قل له : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ! أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ قال له عبد المطلب : إني أنا رب الإبل . وإن للبيت ربا سيمنعه . قال : ما كان ليمتنع مني . قال : أنت وذاك ! . . فرد عليه إبله .
ثم انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرز في شعف الجبال .
ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفر من قريش يدعون اللّه ويستنصرونه . وروي عن عبد المطلب أنه أنشد :
لا همّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك .
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدا محالك إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك ! فأما أبرهة فوجه جيشه وفيله لما جاء له . فبرك الفيل دون مكة لا يدخلها ، وجهدوا في حمله على اقتحامها فلم يفلحوا . وهذه الحادثة ثابتة بقول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوم الحديبية حين بركت ناقته القصواء دون مكة ، فقالوا : خلأت القصواء ( أي حرنت ) فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل « 1 » . . » وفي الصحيحين أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال يوم فتح مكة : « إن اللّه حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، ألا فليبلغ الشاهد الغائب » ، فهي حادثة ثابتة أنه قد حبس الفيل عن مكة في يوم الفيل . .
ثم كان ما أراده اللّه من إهلاك الجيش وقائده ، فأرسل عليهم جماعات من الطير تحصبهم بحجارة من طين وحجر ، فتركتهم كأوراق الشجر الجافة الممزقة . كما يحكي عنهم القرآن الكريم . . وأصيب أبرهة في جسده ،
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري