« كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف . فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون . وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها . وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه ، فنسي نفسه ومصيره ، وفقد رشده ، وقوة التمييز بين الخير والشر ، والحسن والقبيح . وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن ، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم ، أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب ، فضلا عن البيوت ، فضلا عن البلاد . وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة ، ولاذوا بالأديرة والكنائس والخلوات فرارا بدينهم من الفتن ، وضنا بأنفسهم ، أو رغبة إلى الدعة والسكون ، وفرارا من تكاليف الحياة وجدها ، أو فشلا في كفاح الدين والسياسة ، والروح والمادة ؛ ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا وعاونهم على إثمهم وعدوانهم ، وأكل أموال الناس بالباطل . . .
« أصبحت الديانات العظيمة فريسة العابثين والمتلاعبين ؛ ولعبة المجرمين والمنافقين ، حتى فقدت روحها وشكلها ، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها ؛ وأصبحت مهود الحضارة والثقافة والحكم والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام وعسف الحكام ، وشغلت بنفسها لا تحمل للعالم رسالة ، ولا للأمم دعوة ، وأفلست في معنوياتها ، ونضب معين حياتها ، لا تملك مشرعا صافيا من الدين السماوي ، ولا نظاما ثابتا من الحكم البشري » . .
هذه اللمحة السريعة تصور في إجمال حالة البشرية والديانات قبيل البعثة المحمدية . وقد أشار القرآن إلى مظاهر الكفر الذي شمل أهل الكتاب والمشركين في مواضع شتى . .
من ذلك قوله عن اليهود والنصارى :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ . وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
« 1 »
»
. .
« وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ، وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ
« 2 »
»
. .
وقوله عن اليهود :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا . بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
« 3 »
»
.
وقوله عن النصارى :
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
« 4 »
» *
. .
« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
« 5 »
»
.
وقوله عن المشركين :
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ؛ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ »
. . وغيرها كثير . .
وكان وراء هذا الكفر ما وراءه من الشر والانحطاط والشقاق والخراب الذي عم أرجاء الأرض . . . « وبالجملة لم تكن على ظهر الأرض أمة صالحة المزاج ، ولا مجتمع قائم على أساس الأخلاق والفضيلة ، ولا حكومة مؤسسة على أساس العدل والرحمة ، ولا قيادة مبنية على العلم والحكمة ، ولا دين صحيح مأثور عن الأنبياء « 6 » » .
ومن ثم اقتضت رحمة اللّه بالبشرية إرسال رسول من عنده يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة . وما كان
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 30
( 2 ) سورة البقرة : 113
( 3 ) المائدة : 64
( 4 ) المائدة : 72
( 5 ) المائدة : 73
( 6 ) عن كتاب : ما ذا خسر العالم . . .