تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3842

مساهمون:

ص٣٨٤٢
وهو إيحاء عجيب واختيار للتعبير رائع . ومثله :
« وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
. . بل هو أظهر حيوية ، وأشد إيحاء . والصبح حي يتنفس . أنفاسه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي . وأكاد أجزم أن اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيرا لهذا التعبير عن الصبح . ورؤية الفجر تكاد تشعر القلب المتفتح أنه بالفعل يتنفس ! ثم يجيء هذا التعبير فيصور هذه الحقيقة التي يشعر بها القلب المتفتح . وكل متذوق لجمال التعبير والتصوير يدرك أن قوله تعالى :
« فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ »
. . ثروة شعورية وتعبيرية . فوق ما يشير إليه من حقائق كونية . ثروة جميلة بديعة رشيقة ؛ تضاف إلى رصيد البشرية من المشاعر ، وهي تستقبل هذه الظواهر الكونية بالحس الشاعر . يلوح بهذه المشاهد الكونية التي يخلع عليها الحياة ؛ ويصل روح الإنسان بأرواحها من خلال التعبير الحي الجميل عنها ؛ لتسكب في روح الإنسان أسرارها ، وتشي لها بالقدرة التي وراءها ، وتحدثها بصدق الحقيقة الإيمانية التي تدعى إليها . . ثم يذكر هذه الحقيقة في أنسب الحالات لذكرها واستقبالها :
« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ »
. . إن هذا القرآن ، وهذا الوصف لليوم الآخر . . لقول رسول كريم . . وهو جبريل الذي حمل هذا القول وأبلغه . . فصار قوله باعتبار تبليغه . ويذكر صفة هذا الرسول ، الذي اختير لحمل هذا القول وإبلاغه . .
« كَرِيمٍ »
عند ربه . فربه هو الذي يقول . .
« ذِي قُوَّةٍ »
. . مما يوحي بأن هذا القول يحتاج في حمله إلى قوة .
« عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ »
. . في مقامه ومكانته . . وعند من ؟ عند ذي العرش العلي الأعلى .
« مُطاعٍ ثَمَّ »
هناك في الملأ الأعلى .
« أَمِينٍ »
. . على ما يحمل وما يبلغ . . وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته وسموه كذلك وارتفاعه . كما توحي بعناية اللّه سبحانه بالإنسان ، حتى ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة ليحمل الرسالة إليه ، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه . . وهي عناية تخجل هذا الكائن ، الذي لا يساوي في ملك اللّه شيئا ، لولا أن اللّه - سبحانه - يتفضل عليه فيكرمه هذه الكرامة ! فهذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه ، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو
« صاحِبُكُمْ »
. . عرفتموه حق المعرفة عمرا طويلا . فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون . وتذهبون في أمره المذاهب ، وهو
« صاحِبُكُمْ »
الذي لا تجهلون . وهو الأمين على الغيب الذي يحدثكم عنه عن يقين :
« وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ . وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ . فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ »
. . ولقد قالوا عن النبي الكريم الذي يعرفونه حق المعرفة ، ويعرفون رجاحة عقله ، وصدقه وأمانته وتثبته ، قالوا عنه : إنه مجنون . وإن شيطانا يتنزل عليه بما يقول . قال بعضهم هذا كيدا له ولدعوته كما وردت بذلك الأخبار . وقاله بعضهم عجبا ودهشة من هذا القول الذي لا يقوله البشر فيما يألفون ويعهدون . وتمشيا مع ظنهم