من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه . والرادفة هي النفخة الثانية التي يصحون عليها ويحشرون ( كما جاء في سورة الزمر آية 68 ) . .
وسواء كانت هذه أم تلك . فقد أحس القلب البشري بالزلزلة والرجفة والهول والاضطراب ؛ واهتز هزة الخوف والوجل والرعب والارتعاش . وتهيأ لإدراك ما يصيب القلوب يومئذ من الفزع الذي لا ثبات معه ولا قرار .
وأدرك وأحس حقيقة قوله :
« قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ . أَبْصارُها خاشِعَةٌ »
. .
فهي شديدة الاضطراب ، بادية الذل ، يجتمع عليها الخوف والانكسار ، والرجفة ، والانهيار . وهذا هو الذي يقع يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ؛ وهذا هو الذي يتناوله القسم بالنازعات غرقا والناشطات نشطا ، والسابحات سبحا ، والسابقات سبقا ، فالمدبرات أمرا . وهو مشهد يتفق في ظله وإيقاعه مع ذلك المطلع .
ثم يمضي السياق يتحدث عن وهلتهم وانبهارهم حين يقومون من قبورهم في ذهول :
« يَقُولُونَ : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ ؟ أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً ؟ »
. .
فهم يتساءلون : أنحن مردودون إلى الحياة عائدون في طريقنا الأولى . . يقال : رجع في حافرته : أي في طريقه التي جاء منها . فهم في وهلتهم وذهولهم يسألون : إن كانوا راجعين في طريقهم إلى حياتهم ؟ ويدهشون :
كيف يكون هذا بعد إذ كانوا عظاما نخرة . منخوبة يصوت فيها الهواء ؟ ! ولعلهم يفيقون ، أو يبصرون ، فيعلمون أنها كرة إلى الحياة ، ولكنها الحياة الأخرى ، فيشعرون بالخسارة والوبال في هذه الرجعة ، فتند منهم تلك الكلمة :
« قالُوا : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ »
! كرة لم يحسبوا حسابها ، ولم يقدموا لها زادها ، وليس لهم فيها إلا الخسران الخالص ! هنا - في مواجهة هذا المشهد - يعقب السياق القرآني بحقيقة ما هو كائن :
« فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ . فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ »
. .
والزجرة : هي الصيحة . ولكنها تقال هنا بهذا اللفظ العنيف تنسيقا لجو المشهد مع مشاهد السورة جميعا .
والساهرة هي الأرض البيضاء اللامعة . وهي أرض المحشر ، التي لا ندري نحن أين تكون . والخبر عنها لا نعرفه إلا من الخبر الصادق نتلقاه ، فلا نزيد عليه شيئا غير موثوق به ولا مضمون ! وهذه الزجرة الواحدة يغلب - بالاستناد إلى النصوص الأخرى - أنها النفخة الثانية . نفخة البعث والحشر .
والتعبير عنها فيه سرعة . وهي ذاتها توحي بالسرعة . وإيقاع السورة كلها فيه هذا اللون من الإسراع والإيجاف .
والقلوب الواجفة تأخذ صفتها هذه من سرعة النبض ، فالتناسق ملحوظ في كل حركة وفي كل لمحة ، وفي كل ظل في السياق ! ثم يهدأ الإيقاع شيئا ما ، في الجولة القادمة ، ليناسب جو القصص ، وهو يعرض ما كان بين موسى وفرعون ، وما انتهى إليه هذا الطاغية عندما طغى :