وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً . فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً »
. .
ومشهد النعيم كذلك وهو يتدفق تدفقا :
« إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً : حَدائِقَ وَأَعْناباً ، وَكَواعِبَ أَتْراباً ، وَكَأْساً دِهاقاً ، لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً . جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً »
.
وتختم السورة بإيقاع جليل في حقيقته وفي المشهد الذي يعرض فيه . وبإنذار وتذكير قبل أن يجيء اليوم الذي يكون فيه هذا المشهد الجليل :
« رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً . يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً . ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ . فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً . إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً . يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ، وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً »
. .
ذلك هو النبأ العظيم . الذي يتساءلون عنه . وذلك ما سيكون يوم يعلمون ذلك النبأ العظيم !
« عَمَّ يَتَساءَلُونَ ؟ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ . الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ . كَلَّا ! سَيَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا ! سَيَعْلَمُونَ »
. . مطلع فيه استنكار لتساؤل المتسائلين ، وفيه عجب أن يكون هذا الأمر موضع تساؤل . وقد كانوا يتساءلون عن يوم البعث ونبأ القيامة . وكان هو الأمر الذي يجادلون فيه أشد الجدل ، ولا يكادون يتصورون وقوعه ، وهو أولى شيء بأن يكون !
« عَمَّ يَتَساءَلُونَ ؟ »
. . وعن أي شيء يتحدثون ؟ ثم يجيب . فلم يكن السؤال بقصد معرفة الجواب منهم .
إنما كان للتعجيب من حالهم وتوجيه النظر إلى غرابة تساؤلهم ، بكشف الأمر الذي يتساءلون عنه وبيان حقيقته وطبيعته :
« عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ »
. . ولم يحدد ما يتساءلون عنه بلفظه ، إنما ذكره بوصفه . . النبأ العظيم . . استطرادا في أسلوب التعجيب والتضخيم . . وكان الخلاف على اليوم بين الذين آمنوا به والذين كفروا بوقوعه . أما التساؤل فكان من هؤلاء وحدهم .
ثم لا يجيب عن التساؤل ، ولا يدلي بحقيقة النبأ المسؤول عنه . فيتركه بوصفه . . العظيم . . وينتقل إلى التلويح بالتهديد الملفوف ، وهو أوقع من الجواب المباشر ، وأعمق في التخويف :
« كَلَّا ! سَيَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا ! سَيَعْلَمُونَ »
. . ولفظ كلا ، يقال في الردع والزجر فهو أنسب هنا للظل الذي يراد إلقاؤه . وتكراره وتكرار الجملة كلها فيه من التهديد ما فيه .
ثم يبعد في ظاهر الأمر عن موضوع ذلك النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون . ليلتقي به بعد قليل . يبعد في جولة قريبة في هذا الكون المنظور مع حشد من الكائنات والظواهر والحقائق والمشاهد ، تهز الكيان حين يتدبرها الجنان :
« أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ؟ وَالْجِبالَ أَوْتاداً ؟ وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ؟ وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً ؟ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ؟ وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ؟ وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ؟ وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ؟ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ؟ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ، وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ؟ »
. .
وهذه الجولة التي تتنقل في أرجاء هذا الكون الواسع العريض ، مع هذا الحشد الهائل من الصور والمشاهد ، تذكر في حيز ضيق مكتنز من الألفاظ والعبارات ، مما يجعل إيقاعها في الحس حادا ثقيلا نفاذا ، كأنه المطارق