ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل ، إلى جولة في مصارع الغابرين : الأولين والآخرين . .
« أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ؟ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ؟ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! »
.
هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود . وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود . وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء . وأمامها ينطلق الوعيد ناطقا بسنة اللّه في الوجود :
« كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ »
! فهي السنة الماضية التي لا تحيد . . وبينما المجرمون يتوقعون مصرعا كمصارع الأولين والآخرين ، يجيء الدعاء بالهلاك ، ويجيء الوعيد بالثبور :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
. .
ومن الجولة في المصارع والأشلاء ، إلى جولة في الإنشاء والإحياء ، مع التقدير والتدبير ، للصغير وللكبير :
« أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ؟ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ؟ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ؟ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
. .
وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة ، يجملها هنا في لمسات معدودة . ماء مهين . يودع في قرار الرحم المكين . إلى قدر معلوم وأجل مرسوم . وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل :
« فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ »
وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
. .
ثم جولة في هذه الأرض ، وتقدير اللّه فيها لحياة البشر ، وإيداعها الخصائص المسيرة لهذه الحياة :
« أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ؟ أَحْياءً وَأَمْواتاً ؟ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
. .
ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتا .
« وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ »
ثابتات سامقات ، تتجمع على قممها السحب ، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب . أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير ، وحكمة وتدبير ؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون ؟ :
« وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! »
. .
وعندئذ - بعد عرض تلك المشاهد ، وامتلاء الحس بالتأثرات التي تسكبها في المشاعر - ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء . فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين ، ليأخذوا طريقهم إلى العذاب الذي كانوا به يكذبون ، في تأنيب مرير وإيلام عسير :
« انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ . انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ . إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! »
. .
اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل . ولكن إلى أين ؟ إنه انطلاق خير منه الارتهان . .
« انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ »
. . فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود .
« انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ »
. .
إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب . ولكنه ظل خير منه الوهج :
« لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ »
. .
إنه ظل خانق حار لافح . وتسميته بالظل ليست إلا امتدادا للتهكم ، وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم ! انطلقوا . وإنكم لتعرفون إلى أين ! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها . فلا حاجة إلى ذكر اسمها . .