تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3711

مساهمون:

ص٣٧١١
ومن مشهد التكليف ينتقل السياق مباشرة إلى مشهد التبليغ في اختصار ، البارز فيه هو الإنذار ، مع الإطماع في المغفرة على ما وقع من الخطايا والذنوب ؛ وتأجيل الحساب إلى الأجل المضروب في الآخرة للحساب ؛ وذلك مع البيان المجمل لأصول الدعوة التي يدعوهم إليها :
« قالَ : يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، وَاتَّقُوهُ ، وَأَطِيعُونِ . يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى . إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
. .
« يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ »
. . مفصح عن نذارته ، مبين عن حجته ، لا يتمتم ولا يجمجم ، ولا يتلعثم في دعوته ، ولا يدع لبسا ولا غموضا في حقيقة ما يدعو إليه ، وفي حقيقة ما ينتظر المكذبين بدعوته . وما يدعو إليه بسيط واضح مستقيم :
« أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ »
. . عبادة للّه وحده بلا شريك . وتقوى للّه تهيمن على الشعور والسلوك . وطاعة لرسوله تجعل أمره هو المصدر الذي يستمدون منه نظام الحياة وقواعد السلوك . وفي هذه الخطوط العريضة تتلخص الديانة السماوية على الإطلاق . ثم تفترق بعد ذلك في التفصيل والتفريع . وفي مدى التصور وضخامته وعمقه وسعته وشموله وتناوله للجوانب المختلفة للوجود كله ، وللوجود الإنساني في التفصيل والتفريع . وعبادة اللّه وحده منهج كامل للحياة ، يشمل تصور الإنسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ؛ ولحقيقة الصلة بين الخلق والخالق ، ولحقيقة القوى والقيم في الكون وفي حياة الناس . . ومن ثم ينبثق نظام للحياة البشرية قائم على ذلك التصور ، فيقوم منهج للحياة خاص . منهج رباني مرجعه إلى حقيقة الصلة بين العبودية والألوهية ، وإلى القيم التي يقررها اللّه للأحياء والأشياء . وتقوى اللّه . . هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الناس على ذلك المنهج ، وعدم التلفت عنه هنا أو هناك ، وعدم الاحتيال عليه أو الالتواء في تنفيذه . كما أنها هي مبعث الخلق الفاضل المنظور فيه إلى اللّه ، بلا رياء ولا تظاهر ولا مماراة . وطاعة الرسول . . هي الوسيلة للاستقامة على الطريق ، وتلقي الهدى من مصدره المتصل بالمصدر الأول للخلق والهداية ، وبقاء الاتصال بالسماء عن طريق محطة الاستقبال المباشرة السليمة المضمونة ! فهذه الخطوط العريضة التي دعا نوح إليها قومه في فجر البشرية هي خلاصة دعوة اللّه في كل جيل بعده ، وقد وعدهم عليها ما وعد اللّه به التائبين الثائبين :
« يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى »
. . وجزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة اللّه وتقواه وطاعة رسوله هي المغفرة والتخليص من الذنوب التي سلفت ؛ وتأخير الحساب إلى الأجل المضروب له في علم اللّه . وهو اليوم الآخر . وعدم الأخذ في الحياة الدنيا بعذاب الاستئصال ( وسيرد في الحساب الذي قدمه نوح لربه أنه وعدهم أشياء أخرى في أثناء الحياة ) . ثم بين لهم أن ذلك الأجل المضروب حتمي يجيء في موعده ، ولا يؤخر كما يؤخر عذاب الدنيا . . وذلك لتقرير هذه الحقيقة الاعتقادية الكبرى :
« إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ، لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
. . كما أن النص يحتمل أن يكون هذا تقريرا لكل أجل يضربه اللّه ؛ ليقر في قلوبهم هذه الحقيقة بوجه عام .
في ظلال القرآن — صفحة 3711 | سيد قطب