تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3702

مساهمون:

ص٣٧٠٢
المؤمنة ، كما جعل خيانة الأمانة وإخلاف العهد سمة النفس المنافقة والكافرة . ورد هذا في مواضع شتى من القرآن والسنة لا تدع مجالا للشك في أهمية هذا الأمر البالغة في عرف الإسلام .
« وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ »
. . وقد ناط اللّه بأداء الشهادة حقوقا كثيرة ، بل ناط بها حدود اللّه ، التي تقام بقيام الشهادة . فلم يكن بد أن يشدد اللّه في القيام بالشهادة ، وعدم التخلف عنها ابتداء ، وعدم كتمانها عند التقاضي ، ومن القيام بها أداؤها بالحق دون ميل ولا تحريف . وقد جعلها اللّه شهادة له هو ليربطها بطاعته ، فقال :
« وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ »
. . وجعلها هنا سمة من سمات المؤمنين وهي أمانة من الأمانات ، أفردها بالذكر للتعظيم من شأنها وإبراز أهميتها . . وكما بدأ سمات النفوس المؤمنة بالصلاة ، ختمها كذلك بالصلاة :
« وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ »
. . وهي صفة غير صفة الدوام التي ذكرت في صدر هذه الصفات . تتحقق بالمحافظة على الصلاة في مواعيدها ، وفي فرائضها ، وفي سننها ، وفي هيئتها ، وفي الروح التي تؤدى بها . فلا يضيعونها إهمالا وكسلا . ولا يضيعونها بعدم إقامتها على وجهها . . وذكر الصلاة في المطلع والختام يوحي بالاحتفال والاهتمام . وبهذا تختم سمات المؤمنين . . وعندئذ يقرر مصير هذا الفريق من الناس بعد ما قرر من قبل مصير الفريق الآخر :
« أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ »
. . ويجمع هذا النص القصير بين لون من النعيم الحسي ولون من النعيم الروحي . فهم في جنات . وهم يلقون الكرامة في هذه الجنات . فتجتمع لهم اللذة بالنعيم مع التكريم ، جزاء على هذا الخلق الكريم ، الذي يتميز به المؤمنون . ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الدعوة في مكة ، والمشركون يسرعون الخطى إلى المكان الذي يكون فيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يتلو القرآن . ثم يتفرقون حواليه جماعات . ويستنكر إسراعهم هذا وتجمعهم في غير ما رغبة في الاهتداء بما يسمعون :
« فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ؟ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ؟ »
. . المهطع هو الذي يسرع الخطى مادا عنقه كالمقود . وعزين جمع عزة كفئة وزنا ومعنى . . وفي التعبير تهكم خفي بحركتهم المريبة . وتصوير لهذه الحركة وللهيئة التي تتم بها . وتعجب منهم . وتساؤل عن هذا الحال منهم ! وهم لا يسرعون الخطى تجاه الرسول ليسمعوا ويهتدوا ، ولكن فقط ليستطلعوا في دهشة ثم يتفرقوا كي يتحلقوا حلقات يتناجون في الكيد والرد على ما يسمعون ! ما لهم ؟
« أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ؟ »
. . وهم على هذه الحال التي لا تؤدي إلى جنة نعيم ، إنما تؤدي إلى لظى مأوى المجرمين ! ألعلهم يحسبون أنفسهم شيئا عظيما عند اللّه ؛ فهم يكفرون ويؤذون الرسول ، ويسمعون القرآن ويتناجون بالكيد . ثم يدخلون الجنة بعد هذا كله لأنهم في ميزان اللّه شيء عظيم ؟ ! .