البحوث القومي بالولايات المتحدة سابقا يقول في كتابه : « الإنسان لا يقوم وحده « 1 » » :
« إننا نقترب فعلا من عالم المجهول الشاسع ، إذ ندرك أن المادة كلها قد أصبحت من الوجهة العلمية مجرد مظهر لوحدة عالمية هي في جوهرها كهربائية . ولكن مما لا ريب فيه أن المصادفة لم يكن لها دخل في تكوين الكون ، لأن هذا العالم العظيم خاضع للقانون .
« إن ارتقاء الإنساني الحيواني إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده ، هو خطوة أعظم من أن تتم عن طريق التطور المادي ، ودون قصد ابتداعي .
« وإذا قبلت واقعية القصد ، فإن الإنسان بوصفه هذا قد يكون جهازا . ولكن ما الذي يدير هذا الجهاز ؟
لأنه بدون أن يدار لا فائدة منه . والعلم لا يعلل من يتولى إدارته ، وكذلك لا يزعم أنه مادي .
« لقد بلغنا من التقدم درجة تكفي لأن نوقن بأن اللّه قد منح الإنسان قبسا من نوره . . . » .
وهكذا بدأ العلم يخرج من سجن المادية وجدرانها بوسائله الذاتية ، فيتصل بالجو الطليق الذي يشير القرآن إليه بمثل تلك الآية الكريمة :
« فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ »
. ونظائره المتعددة . وإن يكن بيننا نحن من أقزام التفكير والشعور من لا يزال يغلق بكلتا يديه نوافذ النور على نفسه وعلى من حوله باسم العلم ! في تخلف عقلي عن العلم ، وفي تخلف روحي عن الدين ، وفي تخلف شعوري عن الحرية الطليقة في معرفة الحقيقة ! وفي تخلف إنساني عما يليق بالكائن الإنساني الكريم ! فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون . .
« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ، وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. .
ولقد كان مما تقوّل به المشركون على القرآن وعلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قولهم : إنه شاعر . وإنه كاهن . متأثرين في هذا بشبهة سطحية ، منشؤها أن هذا القول فائق في طبيعته على كلام البشر . وأن الشاعر في وهمهم له رئي من الجن يأتيه بالقول الفائق ، وأن الكاهن كذلك متصل بالجن . فهم الذين يمدونه بعلم ما وراء الواقع ! وهي شبهة تسقط عند أقل تدبر لطبيعة القرآن والرسالة ، وطبيعة الشعر أو الكهانة . .
فالشعر قد يكون موسيقي الإيقاع ، رائع الأخيلة ، جميل الصور والظلال ؛ ولكنه لا يختلط أبدا ولا يشتبه بهذا القرآن إن هنالك فارقا أساسيا فاصلا بينهما . إن هذا القرآن يقرر منهجا متكاملا للحياة يقوم على حق ثابت ، ونظرة موحدة ، ويصدر عن تصور للوجود الإلهي ثابت ، وللكون والحياة كذلك . والشعر انفعالات متوالية وعواطف جياشة ، قلما تثبت على نظرة واحدة للحياة في حالات الرضى والغضب ، والانطلاق والانكماش ، والحب والكره ، والتأثرات المتغيرة على كل حال ! هذا إلى أن التصور الثابت الذي جاء به القرآن قد أنشأه القرآن من الأساس ، في كلياته وجزئياته ، مع تعين مصدره الإلهي . فكل ما في هذا التصور يوحي بأنه ليس من عمل البشر ، فليس من طبيعة البشر أن ينشئوا تصورا كونيا كاملا كهذا التصور . . لم يسبق لهم هذا ولم يلحق . . وهذا كل ما أبدعته قرائح البشر من تصورات للكون وللقوة المنشئة له المدبرة لنظامه . . هذا هو معروضا مسجلا في الفلسفة وفي الشعر وفي غيرها من المذاهب الفكرية ؛ فإذا قرن إلى التصور القرآني وضح أن هذا التصور صادر من جهة غير تلك الجهة ! وأنه متفرد بطابع معين يميزه من كل تصورات البشر .
هامش
( 1 ) المترجم بعنوان : العلم يدعو إلى الإيمان .