تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3682

مساهمون:

ص٣٦٨٢
هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ »
. . فوق أنه اللون الذي تبلغ إليه مدارك المخاطبين بالقرآن في أول العهد بالصلة باللّه ، قبل أن تسمو المشاعر فترى في القرب من اللّه ما هو أعجب من كل متاع . . فوق هذا فإنه يلبي حاجات نفوس كثيرة على مدى الزمان . والنعيم ألوان غير هذا وألوان . .
« وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ »
وعرف أنه مؤاخذ بسيئاته ، وأن إلى العذاب مصيره ، فيقف في هذا المعرض الحافل الحاشد ، وقفة المتحسر الكسير الكئيب . .
« فَيَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ! وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ! يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ! ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ! هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ! »
. . وهي وقفة طويلة ، وحسرة مديدة ، ونغمة يائسة ، ولهجة بائسة . والسياق يطيل عرض هذه الوقفة حتى ليخيل إلى السامع أنها لا تنتهي إلى نهاية ، وأن هذا التفجع والتحسر سيمضي بلا غاية ! وذلك من عجائب العرض في إطالة بعض المواقف ، وتقصير بعضها ، وفق الإيحاء النفسي الذي يريد أن يتركه في النفوس . وهنا يراد طبع موقف الحسرة وإيحاء الفجيعة من وراء هذا المشهد الحسير . ومن ثم يطول ويطول ، في تنغيم وتفصيل . ويتمنى ذلك البائس أنه لم يأت هذا الموقف ، ولم يؤت كتابه ، ولم يدر ما حسابه ؛ كما يتمنى أن لو كانت هذه القارعة هي القاضية ، التي تنهي وجوده أصلا فلا يعود بعدها شيئا . . ثم يتحسر أن لا شيء نافعه مما كان يعتز به أو يجمعه :
« ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ »
. .
« هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ »
. . فلا المال أغنى أو نفع . ولا السلطان بقي أو دفع . . والرنة الحزينة الحسيرة المديدة في طرف الفاصلة الساكنة وفي ياء العلة قبلها بعد المد بالألف ، في تحزن وتحسر . . هي جزء من ظلال الموقف الموحية بالحسرة والأسى إيحاء عميقا بليغا « 1 » . . ولا يقطع هذه الرنة الحزينة المديدة إلا الأمر العلوي الجازم ، بجلاله وهوله وروعته :
« خُذُوهُ . فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ »
. . يا للهول الهائل ! ويا للرعب القاتل ! ويا للجلال الماثل !
« خُذُوهُ »
. . كلمة تصدر من العلي الأعلى . فيتحرك الوجود كله على هذا المسكين الصغير الهزيل . ويبتدره المكلفون بالأمر من كل جانب ، كما يقول ابن أبي حاتم بإسناده عن المنهال بن عمرو : « إذا قال اللّه تعالى : خذوه ابتدره سبعون ألف ملك . إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفا في النار » . . كلهم يبتدر هذه الحشرة الصغيرة المكروبة المذهولة !
« فَغُلُّوهُ »
. . فأي السبعين ألفا بلغه جعل الغل في عنقه . . !
« ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ »
. . ونكاد نسمع كيف تشويه النار وتصليه . .
« ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ »
. . وذراع واحدة من سلاسل النار تكفيه ! ولكن إيحاء التطويل والتهويل ينضح من وراء لفظ السبعين وصورتها .
هامش
( 1 ) يراجع فصل : التناسق الفني في كتاب : التصوير الفني في القرآن . كما تراجع سورة الحاقة في كتاب : مشاهد القيامة في القرآن . « دار الشروق » .