تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3675

مساهمون:

ص٣٦٧٥
وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ . . وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ »
. . ذلك الهول . وهذا الجلال . يخلعان الجد الرائع الجليل على مشهد الحساب عن ذلك الأمر المهول . ويشاركان في تعميق ذلك المعنى في الحس مع سائر إيقاعات السورة وإيحاءاتها . هو وما بعده من مقالة الناجين والمعذبين :
« فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ . إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ »
. . فقد نجا وما يكاد يصدق بالنجاة . .
« وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ . يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ . ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ »
. . بهذا التفجع الطويل ، الذي يطبع في الحس وقع هذا المصير . . ثم يبدو ذلك الجد الصارم والهول القاصم في النطق العلوي بالقضاء الرهيب الرعيب ، في اليوم الهائل ، وفي الموقف الجليل :
« خُذُوهُ . فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ »
. . وكل فقرة كأنها تحمل ثقل السماوات والأرض ، وتنقض في جلال مذهل ، وفي هول مروع ، وفي جد ثقيل . . ثم ما يعقب كلمة القضاء الجليل ، من بيان لموجبات الحكم الرهيب ونهاية المذنب الرعيبة :
« إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ . فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ . وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ . لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ »
. . ثم يبرز ذلك المعنى في التلويح بقسم هائل ، وفي تقرير اللّه لحقيقة الدين الأخير :
« فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ، وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. وأخيرا يبرز الجد في الإيقاع الأخير . وفي التهديد الجازم والأخذ القاصم لكل من يتلاعب في هذا الأمر أو يبدل . كائنا من كان ، ولو كان هو محمدا الرسول :
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ »
. . فهو الأمر الذي لا تسامح فيه ولا هوادة ولا لين . . وعندئذ تختم السورة بالتقرير الجازم الحاسم والقول الفصل الأخير عن هذا الأمر الخطير :
« وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ . وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ . وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ . . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ »
. . وهو الختام الذي يقطع كل قول ، ويلقي بكلمة الفصل ، وينتهي إلى الفراغ من كل لغو ، والتسبيح باسم اللّه العظيم . . ذلك المعنى الذي تتمحض السورة لإلقائه في الحس ، يتكفل أسلوبها وإيقاعها ومشاهدها وصورها وظلالها بإلقائه وتقريره وتعميقه بشكل مؤثر حي عجيب : إن أسلوب السورة يحاصر الحس بالمشاهد الحية ، المتناهية الحيوية ، بحيث لا يملك منها فكاكا ، ولا يتصور إلا أنها حية واقعة حاضرة ، تطالعه بحيويتها وقوتها وفاعليتها بصورة عجيبة ! فهذه مصارع ثمود وعاد وفرعون وقرى لوط
( الْمُؤْتَفِكاتُ )
حاضرة شاخصة ، والهول المروع يجتاح مشاهدها لا فكاك للحس منها . وهذا مشهد الطوفان وبقايا البشرية محمولة في الجارية مرسوما في آيتين اثنتين سريعتين . . ومن ذا الذي يقرأ :
« وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً . فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ؟ »
. . ولا يتمثل لحسه منظر العاصفة المزمجرة