تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3643

مساهمون:

ص٣٦٤٣
وحين يقبض ، وهو معلق في الفضاء !
« إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ »
. . يبصره ويراه . ويبصر أمره ويخبره . ومن ثم يهيّئ وينسق ، ويعطي القدرة ، ويرعى كل شيء في كل لحظة ، رعاية الخبير البصير . وإمساك الطير في الجو كإمساك الدواب على الأرض الطائرة بما عليها في الفضاء . كإمساك سائر الأجرام التي لا يمسكها في مكانها إلا اللّه . ولكن القرآن يأخذ بأبصار القوم وقلوبهم إلى كل مشهد يملكون رؤيته وإدراكه ؛ ويلمس قلوبهم بإيحاءاته وإيقاعاته . وإلا فصنعة اللّه كلها إعجاز وكلها إبداع ، وكلها إيحاء وكلها إيقاع . وكل قلب وكل جيل يدرك منها ما يطيقه ، ويلحظ منها ما يراه . حسب توفيق اللّه . ثم يلمس قلوبهم لمسة أخرى تعود بهم إلى مشهد البأس والفزع من الخسف والحاصب ، بعد أن جال بهم هذه الجولة مع الطير السابح الآمن . فيردد قلوبهم بين شتى اللمسات عودا وبدءا كما يعلم اللّه من أثر هذا الترداد في قلوب العباد :
« أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ؟ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ »
. . وقد خوفهم الخسف وخوفهم الحاصب ، وذكرهم مصائر الغابرين الذين أنكر اللّه عليهم فأصابهم التدمير . فهو يعود ليسألهم : من هو هذا الذي ينصرهم ويحميهم من اللّه ، غير اللّه ؟ من هو هذا الذي يدفع عنهم بأس الرحمن إلا الرحمن ؟
« إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ »
. . غرور يهيئ لهم أنهم في أمن وفي حماية وفي اطمئنان ، وهم يتعرضون لغضب الرحمن وبأس الرحمن ، بلا شفاعة لهم من إيمان ولا عمل يستنزل رحمة الرحمن . ولمسة أخرى في الرزق الذي يستمتعون به ، وينسون مصدره ، ثم لا يخشون ذهابه ، ثم يلجون في التبجح والإعراض :
« أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ؟ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ »
. . ورزق البشر كله - كما سلف - معقود بإرادة اللّه في أول أسبابه ، في تصميم هذا الكون وفي عناصر الأرض والجو . وهي أسباب لا قدرة للبشر عليها إطلاقا ، ولا تتعلق بعملهم بتاتا . فهي أسبق منهم في الوجود ، وهي أكبر منهم في الطاقة ، وهي أقدر منهم على محو كل أثر للحياة حين يشاء اللّه . فمن يرزق البشر إن أمسك الماء ، أو أمسك الهواء ، أو أمسك العناصر الأولى التي منها ينشأ وجود الأشياء ؟ إن مدلول الرزق أوسع مدى وأقدم عهدا وأعمق جذورا مما يتبادر إلى الذهن عندما يسمع هذه الكلمة . ومرد كل صغيرة وكبيرة فيه إلى قدرة اللّه وقدره ، وإرساله للأسباب وإمساكها حين يشاء . وفي هذا المدلول الكبير الواسع العميق تنطوي سائر المدلولات القريبة لكلمة الرزق ، مما يتوهم الإنسان أنها من كسبه وفي طوقه ، كالعمل ، والإبداع ، والإنتاج . . وكلها مرتبطة بقيام الأسباب والعناصر الأولى من جهة ومتوقفة على هبة اللّه للأفراد والأمم من جهة أخرى . فأي نفس يتنفسه العامل ، وأي حركة يتحركها ، إلا من رزق اللّه ، الذي أنشأه ، ومنحه المقدرة والطاقة ، وخلق له النفس الذي يتنفسه ، والمادة التي تحترق في جسده فتمنحه القدرة على الحركة ؟ وأي جهد عقلي يبذله مخترع إلا وهو من رزق اللّه الذي منحه القدرة على التفكير والإبداع ؟ وأي إنتاج ينتجه عامل أو مبدع إلا في مادة هي من صنع اللّه ابتداء ، وإلا بأسباب كونية