إن تبعة المؤمن في نفسه وفي أهله تبعة ثقيلة رهيبة . فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله ، وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك . إنها نار . فظيعة متسعرة :
« وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ »
. .
الناس فيها كالحجارة سواء . في مهانة الحجارة . وفي رخص الحجارة ، وفي قذف الحجارة . دون اعتبار ولا عناية . وما أفظعها نارا هذه التي توقد بالحجارة ! وما أشده عذابا هذا الذي يجمع إلى شدة اللذع المهانة والحقارة ! وكل ما بها وما يلابسها فظيع رهيب :
« عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ »
. تتناسب طبيعتهم مع طبيعة العذاب الذي هم به موكلون . .
« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
. . فمن خصائصهم طاعة اللّه فيما يأمرهم ، ومن خصائصهم كذلك القدرة على النهوض بما يأمرهم . . وهم بغلظتهم هذه وشدتهم موكلون بهذه النار الشديدة الغليظة . وعلى المؤمن أن يقي نفسه وأن يقي أهله من هذه النار . وعليه أن يحول بينها وبينهم قبل أن تضيع الفرصة ولا ينفع الاعتذار . فها هم أولاء الذين كفروا يعتذرون وهم عليها وقوف ، فلا يؤبه لاعتذارهم ، بل يجبهون بالتيئيس :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ . إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. .
لا تعتذروا فليس اليوم يوم اعتذار ، إنما هو يوم الجزاء على ما كان من عمل . وقد عملتم ما تجزون عليه بهذه النار ! فكيف يقي المؤمنون أنفسهم وأهليهم من هذه النار ؟ إنه يبين لهم الطريق ، ويطمعهم بالرجاء :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ، عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ، وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ ، يَقُولُونَ : رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ، وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
هذا هو الطريق . . توبة نصوح . . توبة تنصح القلب وتخلصه ، ثم لا تغشه ولا تخدعه .
توبة عن الذنب والمعصية ، تبدأ بالندم على ما كان ، وتنتهي بالعمل الصالح والطاعة ، فهي عندئذ تنصح القلب فتخلصه من رواسب المعاصي وعكارها ؛ وتحضه على العمل الصالح بعدها . فهذه هي التوبة النصوح .
التوبة التي تظل تذكر القلب بعدها وتنصحه فلا يعود إلى الذنوب .
فإذا كانت هذه التوبة فهي مرجوة إذن في أن يكفر اللّه بها السيئات . وأن يدخلهم الجنات . في اليوم الذي يخزي فيه الكفار كما هم في المشهد الذي سبق في السياق . ولا يخزي اللّه النبي والذين آمنوا معه .
وإنه لإغراء مطمع ، وتكريم عظيم ، أن يضم اللّه المؤمنين إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فيجعلهم معه صفا يتلقى الكرامة في يوم الخزي . ثم يجعل لهم نورا
« يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ »
. نورا يعرفون به في ذلك اليوم الهائل المائج العصيب الرهيب . ونورا يهتدون به في الزحام المريج . ونورا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنة في نهاية المطاف ! وهم في رهبة الموقف وشدته يلهمون الدعاء الصالح بين يدي اللّه :
« يَقُولُونَ : رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ، وَاغْفِرْ لَنا ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . وإلهامهم هذا الدعاء في هذا الموقف الذي يلجم الألسنة ويسقط القلوب ، هو علامة الاستجابة . فما يلهم اللّه المؤمنين هذا الدعاء إلا وقد جرى قدره بأنه سيستجيب . فالدعاء هنا نعمة يمنّ بها اللّه عليهم تضاف إلى منة اللّه بالتكريم وبالنور .
فأين هذا من النار التي وقودها الناس والحجارة ؟
إن هذا الثواب ، كذلك العقاب ، كلاهما يصور تبعة المؤمن في وقاية نفسه وأهله من النار ، وإنالتهم