« أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ؟ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ »
. .
وفي هاتين الآيتين والروايات التي ذكرت أسباب نزولهما نجد لونا من ألوان الجهود التربوية لإعداد هذه الجماعة المسلمة في الصغير والكبير من شؤون الشعور والسلوك .
ثم يعود السياق إلى المنافقين الذين يتولون اليهود ، فيصور بعض أحوالهم ومواقفهم ، ويتوعدهم بافتضاح أمرهم ، وسوء مصيرهم ، وانتصار الدعوة الإسلامية وأصحابها على الرغم من كل تدبيراتهم :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ . لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ . اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ، أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ »
. .
وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوما غضب اللّه عليهم - وهم اليهود - تدل على أنهم كانوا يمعنون في الكيد للمسلمين ، ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم ؛ كما تدل على أن سلطة الإسلام كانت قد عظمت ، بحيث يخافها المنافقون ، فيضطرون - عندما يواجههم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنون بما يكشفه اللّه من تدبيراتهم ومؤمراتهم - إلى الحلف بالكذب لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال ؛ وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذه الأيمان . إنما هم يتقون بأيمانهم ما يتوقعونه من مؤاخذتهم بما ينكشف من دسائسهم :
« اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً »
أي وقاية . وبذلك يستمرون في دسائسهم للصد عن سبيل اللّه ! واللّه يتوعدهم مرات في خلال هذه الآيات :
« أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
. .
« فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
. .
« لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ »
. .
ويصور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين ، وهم يحلفون للّه كما كانوا يحلفون للناس :
« يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ »
. . مما يشير إلى أن النفاق قد تأصل في كيانهم ، حتى ليصاحبهم إلى يوم القيامة . وفي حضرة اللّه ذي الجلال . الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الصدور !
« وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ »
. . وهم على هواء لا يستندون إلى شيء . أي شيء ! ويدمغهم بالكذب الأصيل الثابت :
« أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ »
. .
ثم يكشف عن علة حالهم هذه . فقد استولى عليهم الشيطان كلية
« فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ »
. . والقلب الذي ينسى ذكر اللّه يفسد ويتمحض للشر :
« أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ »
. . الخالص للشيطان الذي يقف تحت لوائه ، ويعمل باسمه ، وينفذ غاياته . وهو الشر الخالص الذي ينتهي إلى الخسران الخالص :
« أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ »
. .
وهي حملة شديدة عنيفة تناسب الشر والأذى والفتنة التي يدبرونها للمسلمين مع أعدائهم الماكرين . وتطمئن قلوب المسلمين . واللّه - سبحانه وتعالى - يتولى عنهم الحملة على أعدائهم المستورين !