النص عن ظاهر مدلوله . فاللّه يقول . ونحن لا نعلم شيئا عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا اللّه عنه . . ف
« سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
تعني
« سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . ولا تأويل ولا تعديل ! ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السماوات والأرض له روح ، يتوجه بها إلى خالقه بالتسبيح وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ما وردت به الآثار الصحيحة ، كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها ، واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها . .
وقد جاء في القرآن الكريم :
« يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ »
. . فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود ! وجاء في الأثر : أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت . إني لأعرفه الآن » . . وروى الترمذي - بإسناده - عن علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - قال : كنت مع رسول اللّه بمكة فخرجنا في بعض نواحيها ، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول : « السلام عليك يا رسول اللّه » . . وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك قال : « خطب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى لزق جذع . فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة ، فنزل الرسول فمسحه ، فسكن » . .
وآيات القرآن كثيرة وصريحة في تقرير هذه الحقيقة الكونية :
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ »
. .
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ »
. .
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
. . ولا داعي لتأويل هذه النصوص الصريحة لتوافق مقررات سابقة لنا عن طبائع الأشياء غير مستمدة من هذا القرآن . فكل مقرراتنا عن الوجود وكل تصوراتنا عن الكون ينبغي أن تنبع أو لا من مقررات خالق هذا الكون ومبدع هذا الوجود .
« وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . فتسبيح ما في السماوات والأرض له فرع عن العزة الغالبة والحكمة البالغة . فهو المهيمن على كل شيء بقوته ، وهو جاعل كل شيء وفق حكمته .
وما يكاد القلب البشري يفيق من فيض هذا النص ، ومن مهرجان الوجود المسبح لخالقه في السماوات والأرض ، حتى يعاجله السياق برحلة جديدة في ملكوت السماوات والأرض :
« لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
إن كل شيء في السماوات والأرض سبح للّه . مالك السماوات والأرض . الذي لا شريك له في ملكه .
فهو تسبيح المملوك لمالكه المتفرد ، الذي يحيي ويميت ، فيخلق الحياة ويخلق الموت . ويقدر الحياة لكل حي ويقدر له الموت ؛ فلا يكون إلا قدره الذي قضاه .
والحياة ما تزال سرا في طبيعتها ، وسرا في مصدرها ؛ ولا يملك أحد أن يقول من أين جاءت ، ولا كيف جاءت . فضلا على أن أحدا لا يدري ما هي على وجه الحقيقة . والنص القرآني يقول : إن اللّه هو الذي يحيي .
الذي يعطي الحياة للأحياء . وما يملك أحد أن ينكر هذا ولا أن يثبت غيره . والموت كالحياة سر مغلف .
لا يعرف أحد طبيعته ولا يملك أحد أن يحدثه . لأن أحدا غير واهب الحياة لا يملك سلبها . . وهذا وذلك من مظاهر الملكية المطلقة للّه في السماوات والأرض يحيي ويميت . . .
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . إجمالا بغير حد ولا قيد . فالمشيئة المطلقة تمضي بغير حد ولا قيد . وتتعلق