تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3464

مساهمون:

ص٣٤٦٤
والمشاغل ، وفي طمأنينة على ما هم فيه من نعيم ، لا خوف من فوته ولا نفاده وفي إقبال بعضهم على بعض يتسامرون . .
« يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ »
. . لا يفعل فيهم الزمن ، ولا تؤثر في شبابهم وصباحتهم السن كأشباههم في الأرض . يطوفون عليهم
« بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ »
. . من خمر صافية سائغة
« لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ »
. . فلا هم يفرقون عنها ولا هي تنفد من بين أيديهم . فكل شيء هنا للدوام والأمان .
« وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ »
. . فهنا لا شيء ممنوع ، ولا شيء على غير ما يشتهي السعداء الخالدون .
« وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ »
. . واللؤلؤ المكنون هو اللؤلؤ المصون ، الذي لم يتعرض للمس والنظر ، فلم تثقبه يد ولم تخدشه عين ! وفي هذا كناية عن معان حسية ونفسية لطيفة في هؤلاء الحور الواسعات العيون . وذلك كله :
« جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
. . فهو مكافأة على عمل كان في دار العمل . مكافأة يتحقق فيها الكمال الذي كان ينقص كل المناعم في دار الفناء . ثم هم بعد ذلك كله يحيون في هدوء وسكون ، وفي ترفع وتنزيه عن كل لغو في الحديث ، وكل جدل وكل مؤاخذة :
« لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً . إِلَّا قِيلًا : سَلاماً سَلاماً »
. . حياتهم كلها سلام . يرف عليها السلام . ويشيع فيها السلام . تسلم عليهم الملائكة في ذلك الجو الناعم الآمن ؛ ويسلم بعضهم على بعض . ويبلغهم السلام من الرحمن . فالجو كله سلام سلام . . فإذا انتهى الحديث عن ذلك الفريق السابق المختار ، بدأ الحديث عن الفريق الذي يليه : فريق أصحاب اليمين :
« وَأَصْحابُ الْيَمِينِ . ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ؟ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ . وَظِلٍّ مَمْدُودٍ . وَماءٍ مَسْكُوبٍ . وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ . إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً . فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً . عُرُباً أَتْراباً . لِأَصْحابِ الْيَمِينِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ »
. . وأصحاب اليمين هم أصحاب الميمنة الذين أشار إليهم تلك الإشارة المجملة في أول السورة . ثم أخر تفصيل نعيمهم ، إلى موعده هنا بعد السابقين المقربين . وهو يعيد السؤال عنهم بتلك الصيغة التي تفيد التفخيم والتهويل :
« ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ؟ »
. . ولأصحابنا هؤلاء نعيم مادي محسوس ، يبدو في أوصافه شيء من خشونة البداوة ، ويلبي هواتف أهل البداوة حسبما تبلغ مداركهم وتجاربهم من تصور ألوان النعيم ! إنهم
« فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ »
. . والسدر شجر النبق الشائك . ولكنه هنا مخضود شوكه ومنزوع .
« وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ »
. . والطلح شجر من شجر الحجاز من نوع العضاة فيه شوك . ولكنه هنا منضود معد للتناول بلا كد ولا مشقة .
« وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ، وَماءٍ مَسْكُوبٍ »
. . وتلك جميعا من مراتع البدوي ومناعمه ، كما يطمح إليها خياله وتهتف بها أشواقه !
« وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ »
. . تركها مجملة شاملة بغير تفصيل بعد ما ذكر الأنواع المعروفة لسكان البادية بالتعيين .
« وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ »
. . وهي هنا لا موضونة ولا ناعمة . وبحسبها أنها مرفوعة . وللرفع في الحس معنيان . مادي ومعنوي يستدعي أحدهما الآخر ، ويلتقيان عند الارتفاع في المكان والطهارة من الدنس . فالمرفوع عن الأرض أبعد عن نجسها . والمرفوع في المعنى أبعد عن دنسها . ولهذا ينتقل السياق من الفرش المرفوعة إلى ذكر من فيها من الأزواج :
« إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً »
إما ابتداء وهن الحور . وإما استئنافا وهن الزوجات المبعوثات شواب :
« فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً »
لم يمسسن
« عُرُباً »
. . متحببات إلى أزواجهن
« أَتْراباً »
متوافيات السن والشباب .
« لِأَصْحابِ الْيَمِينِ »
. . مخصصات لهم . ليتسق ذلك مع « الفرش المرفوعة » . . فأما أصحاب اليمين هؤلاء فهم
« ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ »
. . فهم أكثر عددا من السابقين المقربين .